وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٢٧ - بئر الأعواف، أحد صدقات النبي
ثم قال: و لم أعلم أحدا ذكر فيها أثرا يعتمد عليه، و الله أعلم أيتهما هي السقيا؟ الأولى لقربها من الطريق، أم هذه لتواتر التبرك بها؟ أو لعلها البئر التي احتفرتها فاطمة ابنة الحسين حين أخرجت من بيت جدتها فاطمة الكبرى، و ذكر القصة الآتية في حفرها لبئرها، ثم قال: إن الظاهر أن هذه هي بئر فاطمة، و الأولى هي السقيا.
قلت: قوله «إن الأولى هي السقيا» هو الصواب كما سيأتي، و أما قوله «إن الثانية هي بئر فاطمة» فعجيب؛ لأن مقتضى قوله و منها أنها من جملة الآبار التي ذكر ابن زبالة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أتاها و شرب منها، و بئر فاطمة بنت الحسين هي التي احتفرتها بعد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و إنما ذكرها ابن زبالة في خبر بناء المسجد، و ذكر في آبار النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ما قدمناه في بئر إهاب مع بئر السقيا و غيرهما من الآبار، ثم أفردهما ثانيا في سياق ما جاء في الحرة الغربية، و أيضا فقد ذكر المطري أن البئر المذكورة لم تزل يتبرك بها قديما و حديثا، و ينقل منها الماء إلى الآفاق، فكيف ترجّح أنها المنسوبة لابنة الحسين مع وجود بئر في تلك الجهة ينسب إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إتيانها و البصق فيها؟ فالذي ترجّح عندي أن هذه البئر المعروفة بزمزم هي بئر إهاب، و قد رأيت عندها مع طرف الجدار الذي بجانبها الدائر على الحديقة آثار قصر قديم كان مبنيّا عليها الظاهر أنه قصر إسماعيل بن الوليد الذي ابتناه عليها، و في شاميها بئر أخرى في الحديقة المذكورة يحتمل أنها هي المنسوبة لابنة الحسين، و لعل حوض ابن هشام كان هناك، و الله أعلم.
بئر البصّة:- بضم الموحدة و فتح الصاد المشددة آخره هاء، كانها من بصّ الماء بصّا رشح، كذا قاله المجد- قال: و إن روى بالتخفيف فمن وبص يبص وبصا و بصة كوعد يعد وعدا و عدة إذا بلغ، أو من وبص لي من المال أي أعطاني.
قلت: المعروف بين أهل المدينة التخفيف.
و روى ابن زبالة و ابن عدي من طريقه عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يأتي الشهداء و أبناءهم، و يتعاهد عيالاتهم، قال: فجاء يوما أبا سعيد الخدري فقال: هل عندك من سدر أغسل به رأسي فإن اليوم الجمعة؟ قال: نعم، فأخرج له سدرا، و خرج معه إلى البصة، فغسل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) رأسه، فصب غسالة رأسه و مراقة شعره في البصة.
قال ابن النجار: و هذه البئر قريبة من البقيع على طريق الماضي إلى قباء، و هي بين نخل، و قد هدمها السيل و طمّها، و فيها ماء أخضر، وقفت على قفّها، و ذرعت طولها، فكان أحد عشر ذراعا، منها ذراعان ماء، و عرضها سبعة أذرع، و هي مبنية بالحجارة، و لون مائها إذا انفصل منها أبيض، و طعمه حلو، إلا أن الأجون غلب عليه. و ذكر لي الثقة أن أهل المدينة كانوا يستقون منها قبل أن يطمّها السيل، اه.