وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٣٧ - مسجد بني ظفر
و روى يحيى عن إدريس بن محمد بن يونس بن محمد الظفري عن جده أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) «جلس على الحجر الذي في مسجد بني ظفر» و كان زياد بن عبيد الله أن أمر بقلعه حتى جاءته مشيخة بني ظفر و أعلموه أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) جلس عليه، فرده، قال: فقلّ امرأة نزر ولدها تجلس عليه إلا حملت. قال يحيى عقبه: مسجد بني ظفر دون مسجد بني عبد الأشهل، قال: و أدركت الناس بالمدينة يذهبون بنسائهم حتى ربما ذهبوا بهنّ بالليل فيجلسن على هذا الحجر.
قلت: و لم أزل أتأمل في سر ذلك حتى اتضح لي بما رواه الطبراني برجال ثقات عن محمد بن فضالة الظفري، و كان ممن صحب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) «أتاهم في مسجد بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في مسجد بني ظفر اليوم و معه عبد الله بن مسعود و معاذ بن جبل و أناس من أصحابه، و أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قارئا فقرأ حتى أتى على هذه الآية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] فبكى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى اضطرب لحياه. فقال: «أي ربّ شهيد على من أنا بين ظهر أبيه، فكيف بمن لم أر»؟
قلت: و لم يزل الناس يصفون الجلوس على ذلك الحجر للمرأة التي لا تلد، و يقصدون ذلك المسجد لأجله، غير أني لم أر فيه حجرا يصلح للجلوس عليه، إلا أن في أسفل كتف بابه عن يسار الداخل حجرا مثبتا من داخله، فكأنه هو المراد، و الناس اليوم إنما يقصدون حجرا من تلك الصخور التي هي خارجة في غربيه فيجلسون عليه، و هذا بعيد لأن الرواية المتقدمة مصرّحة بأنه في المسجد.
و قال المطري: و عند هذا المسجد آثار في الحرة من جهة القبلة، يقال: إنها أثر حافر بغلة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و في غربيه أي غربي أثر الحافر أثر على حجر كأنه أثر مرفق يذكر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) اتّكأ عليه، و وضع مرفقه الشريف عليه، و على حجر آخر أثر أصابع، و الناي يتبركون بها.
قلت: و لم أقف في ذلك على أصل، إلا أن ابن النجار قال في المسجد التي أدركها خرابا ما لفظه: و مسجدان قريب البقيع، و ذكر ما سيأتي عنه في مسجد الإجابة، ثم قال:
و آخر يعرف بمسجد البغلة فيه أسطوان واحد، و هو خراب، و حوله كثير من الحجارة فيها أثر يقولون: إنه أثر حافري بغلة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، انتهى.
و قد بني ما تهدّم منه بعد ابن النجار، إلا أنه لم يجعل له سقفا، فليس به شيء من الأساطين. و رأيت فيه حجر رخام عن يمين محرابه قد كتب فيه ما صورته: خلّد الله ملك الإمام أبي جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين. عمر سنة ثلاثين و ستمائة، و ذرعته