وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٢٥ - حمى ضرية
و ذكر الأسدي في وصف طريق البصرة ما يقتضي أن ضرية على نحو عشرة أيام من مكة، و أخبرني أهل المعرفة بها أنها من المدينة على نحو سبع مراحل، و أنها إلى المدينة أقرب.
و قال ابن سعد: سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء بطن من أبي بكر كانوا ينزلون البكرات بناحية ضرية، و بين ضرية و المدينة سبع ليال، انتهى.
و تقدم قول الأصمي في الشرف إن به حمى ضرية، قال: و ضرية: بئر ماؤها عذب طيب، قال الشاعر:
ألا يا حبذا لبن الخلايا * * * بماء ضريّة العذب الزلال
و نقل المجد أن أشهر الأحماء و أسيرها ذكرا حمى ضرية، و كان حمى كليب بن وائل فيما يزعم بعض بادية طيئ، قال: و ذلك مشهور عندنا بالبادية يرويه كابر عن كابر، و في ناحية منه قبر كليب معروف إلى الآن.
قلت: و أخبرني بذلك رئيس أهل نجد و رأسها سلطان البحرين و العطيف فريد الوصف و النعت في جنسه صلاحا و إفضالا و حسن عقيدة أبو الجود أجود بن جبر أيده الله تعالى و سدده، و قال: إن قبر كليب هناك معروف عند العرب يقصدونه، قال: و دلني عليه بعضهم لأقصده، فقلت: و هو واحد من الجاهلية.
و نقل الهجري أن أول من أحمى الحمى بضرية عمر بن الخطاب، أحماه لإبل الصدقة و ظهران الغزاة، و أن سروح الغنم العادية من ضرية ترعى على وجوهها ثم تؤوب بضرية، و ذلك ستة أميال من كل ناحية، و ضرية في وسط الحمى؛ فكان على ذلك حياة عمر و صدرا من ولاية عثمان، ثم كثر النعم حتى بلغ أربعين ألف بعير، فضاق عنه الحمى، فأمر عثمان أن يزاد ما يسع إبل الصدقة و ظهران الغزاة، فزاد زيادة لم يحددوها، إلا أن عثمان (رضي الله تعالى عنه) اشترى ماء من مياه بني ضبيعة كان أدنى مياه غنى إلى ضرية يقال له البكرة عند هضبات يقال لها البكرات على نحو عشرة أميال من ضرية يذكرون أن البكرة دخلت في حمى عثمان، ثم لم تزل الولاة تزيد فيه، و اتخذوه مأكلة، و من أشدهم فيه انبساطا و منعا إبراهيم بن هشام المخزومي، زاد فيه و ضيّق على أهله، و اتخذ فيه من كل لون من ألوان الإبل ألف بعير، و لم تزل حواط الحمى يقاتلون عليه أشدّ القتال، و يكون فيه الدماء، و قاتل مرة حواط بن هشام و رعيان أهل المدينة و هم أكثر من مائتي رجل ناسا من غنى على ماء لغنى يقال له الساه قتالا شديدا، فظفر الغنويون، فقتلوا منهم اثني عشر رجلا، ثم صالحوهم على العقل، لكل واحد مائة من الإبل، فقال بعض الغنويين:
يا لغني إنه عقل النّعم * * * و ليس بالنّوم و ترجيل اللّمم
و كان ناس من الضباب قدموا على ولد عثمان، فاستسقوهم بالبكرة فأسقوهم، فلم تزل بأيديهم.