وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٥٠ - مسجد ذباب (الراية)
لمروان على بعض مساعي اليمن، و كان الأنصاري عدا على رجل فأخذ منه بقرة ليست عليه، فتبع ذباب الأنصاريّ حتى قدم المدينة، ثم جلس له في المسجد حتى قتله، فقال له مروان:
ما حملك على قتله؟ قال: ظلمني بقرة لي، و كنت امرأ خبيث النفس فقتلته، فقتله مروان و صلبه على ذباب.
و تقدم من رواية ابن شبة في اتخاذ المقصورة في المسجد ما يقتضي أن الرجل الذي ظلمه ساعي مروان اسمه دب، و أنه إنما همّ بقتل مروان، فأخذه مروان، فذكر له السبب المتقدم و أنه حبسه ثم أمر به فقتل.
و قال ابن شبة: قال أبو غسان: و أخبرني بعض مشايخنا أن السلاطين كانوا يصلبون على ذباب، فقال هشام بن عروة لزياد بن عبيد الله الحارثي: يا عجبا، يصلبون على مضرب قبة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فكفّ عن ذلك زياد و كفت الولاة بعده عنه.
قلت: و قد جعل المطري في الكلام على الخندق مضرب قبّة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) هو محل مسجد الفتح من سلع؛ لظنه أن الخندق لم يكن إلا في غربي سلع، و كأنه لم يطلع على ما هنا. و لم أر لما ذكره أصلا في كلام غيره، و قد غاير أبو عبد الله الأسدي بين مسجد الفتح و مسجد ذباب كما قدمناه، و سيأتي ما يؤخذ منه أن الخندق كان شامي المدينة بين حرّتيها الشرقية و الغربية.
و في اتخاذ المسجد على هذا الجبل رد لما أوّل به الطبراني الصلاة عليه بالدعاء فإنه روى بسند فيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن سهل بن سعد أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) صلى على ذباب، قال الطبراني عقبه: بلغني أن ذبابا جبل بالحجاز و قوله «صلى» أي: بارك عليه.
قلت: صرح ابن الأثير بأنه جبل بالمدينة، و في الاكتفاء في غزوة تبوك ما لفظه: فلما خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) ضرب عسكره على ثنية الوداع و ضرب عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب.
و قد قال الكمال الدميري: إن في كتب الغريب أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) صلب رجلا على جبل يقال له ذباب، و إن البكري قال: هو جبل بجبّانة المدينة.
و تقدم في منازل بني الديل حول ثنية الوداع ذكر الجبّانة، و كذا في ذكر البلاط.
و قال الواقدي في كتاب الحرة: إنهم لما اصطفّوا لقتال جيش الحرّة على الخندق، و كان يزيد بن هرمز في موضع ذباب إلى مربد النّعم معه الدهم من الموالي، و هو يحمل رايتهم، و هو أميرهم، و قد صف أصحابه كراديس بعضها خلف بعض إلى رأس الثنية أي: ثنية الوداع.
و هذا كله صريح في أن ذبابا هو الجبل المذكور، و لعل السبب في اشتهار مسجده بمسجد الراية ما ذكره الواقدي من أن يزيد بن هرمز كان في موضعه و معه راية الموالي.