وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٩٣ - المتوكل يأمر بهدم قبر الحسين بن علي
المتوكل يأمر بهدم قبر الحسين بن علي
و إنما أوجب عدم العلم بعين قبر فاطمة (رضي الله تعالى عنها) و غيرها من السلف ما كانوا عليه من عدم البناء على القبور و تجصيصها، مع ما عرض لأهل البيت (رضي الله تعالى عنهم) من معاداة الولاة قديما و حديثا، حتى ذكر المسعودي أن المتوكل أمر في سنة ست و ثلاثين و مائتين المعروف بالزبرج بالمسير إلى قبر الحسين بن علي (رضي الله تعالى عنهما) و محو أرضه و هدمه و إزالة أثره، و أن يعاقب من وجد به، فبذل الرغائب لمن يقدم على ذلك، فكل خشي عقوبة الله فأحجم، فتناول الزبرج مسحاة و هدم أعالي قبر الحسين، فحينئذ أقدم الفعلة على العمل فيه، و انتهوا إلى الحفيرة و موضع اللحد فلم يجدوا فيه أثر رمّة و لا غيرها، و لم يزل الأمر على ذلك حتى استخلف المنتصر، انتهى.
و يتلخص مما تقدم أن المعتمد أن قبرها بالبقيع عند قبر الحسن، و قيل: في بيتها، و يتفرع عليه قولان: أحدهما ما تقدم عن عبد العزيز من أن محله من المسجد ما يقابل الباب الذي يواجه دار أسماء بنت حسين، يعني شامي باب النساء و هو بعيد جدّا، و ثانيهما حكاه العز بن جماعة و قال: إنه أظهر الأقوال، و هو أنه في بيتها، و هو مكان المحراب الخشب الذي داخل مقصورة الحجرة الشريفة من خلفها، و قد رأيت خدّام الحجرة يجتنبون دوس ما بين المحراب المذكور و بين الموضع المزور من الحجرة الشريفة الشبيه بالمثلث، و يزعمون أنه قبر فاطمة (رضي الله تعالى عنها).
و قد سبق في الفصل التاسع و العشرين من الباب الرابع أنهم لما أسّسوا دعائم القبة الكبرى المحاذية لأعلى الحجرة الشريفة أسسوا أسطوانة هناك زادوها عند الصفحة الشرقية من الموضع الشبيه بالمثلث خلف الحجرة، فوجدوا قبرا بدا لحده و بعض عظامه، و حصل للناس في ذلك اليوم أمر عظيم و مشقة زائدة فيما أخبرني به شيخ الخدام السيفي قائم و غيره.
و حكى ابن جماعة في قبر فاطمة (رضي الله تعالى عنها) قولين آخرين: أحدهما: أنه الصندوق الذي أمام مصلى الإمام بالروضة الشريفة، قال: و هو بعيد جدّا.
قلت: لم أقف له على أصل، و لعله اشتبه على قائله بالمحراب المتقدم ذكره في بيتها؛ لأن عنده مصلى شبه حوض كالمصلى بالروضة، و أمامه صندوق هو المحراب المذكور، لكن سبق في الفصل الثالث من الباب الرابع أنهم لما أسسوا في محل الصندوق المحترق الدعامة التي بها محراب المصلى النبوي، و هو مصلى الإمام، وجدوا هناك قبرا بدا لحده مسدودا باللبن أخرجوا منه بعض العظام، و أن الأقدمين حرفوا أساس الأسطوانة التي عنده عنه، فالله أعلم.
و ثانيهما: أنه بالمسجد المنسوب إليها بالبقيع، يعني الذي بالقرب من قبة العباس (رضي الله تعالى عنه) من جهة القبلة جانحا إلى المشرق.