وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٣٨ - ضبط بيرحاء
فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسة و ثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: أ تجعل لي مثل الذي جعلت له عينا في الجنة إن اشتريتها؟ قال: نعم، قال: قد اشتريتها و جعلتها للمسلمين، قال الحافظ ابن حجر: و إذا كانت أولا عينا فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئرا، و لعل العين كانت تجري إلى بئر فوسّعها أو طولها فنسب حفرها إليه، انتهى.
قلت: الإشكال ليس في ذكر وقوع حفر عثمان لها فقط، بل في كون الترغيب فيها بلفظ «من حفر» إلى آخره؛ فطريق الجمع أن يكون (صلّى اللّه عليه و سلم) قال أولا: «من اشترى بئر رومة» فاشتراها عثمان، ثم احتاجت إلى الحفر فقال: «من حفر بئر رومة» فحفرها، و تسميتها في هذه الرواية عينا غريب جدّا، و لعله لاشتمال البئر على ما ينبع فيها مقابلة لها بعين في الجنة.
و قال المجد: قال أبو عبد الله بن منده: رومة الغفاري صاحب بئر رومة، و روى حديثه، و ساق السند إلى بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال: لما قدم المهاجرون، و ساق الحديث المتقدم، ثم قال المجد: كذا قال رومة الغفاري، ثم قال: عين يقال لها رومة.
و قال أبو بكر الحازمي أيضا: هذه البئر تنسب إلى رومة الغفاري، و لم يسمها عينا، و الجمع بين هذا و بين قوله في الحديث المتقدم «نعم الحفير حفيرة المزني» يعني رومة أن الذي احتفرها كان من مزينة ثم ملكها رومة الغفاري، و ذكر ابن عبد البر أنها كانت ركية ليهودي يبيع ماءها من المسلمين، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم و له بها شرب في الجنة؟ فأتى عثمان اليهوديّ فساومه بها، فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى عثمان نصفها باثني عشر ألف درهم، فجعله للمسلمين، فقال له عثمان: إن شئت جعلت لنصيبي قربين، و إن شئت فلي يوم و لك يوم، فقال: بل لك يوم ولي يوم، فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين، فلما رأى اليهودي ذلك قال:
أفسدت علي ركيتي، فاشتر النصف الآخر، فاشتراه بثمانية آلاف درهم.
قلت: و هي بئر قديمة جاهلية؛ لما رواه ابن زبالة عن غير واحد من أهل العلم أن تبّعا اليماني لما قدم المدينة كان منزله بقناة، و احتفر البئر التي يقال لها بئر الملك، و به سميت، فاستوبأ بئره تلك، فدخلت عليه امرأة من بني زريق يقال لها فكهة، فشكا إليها وباء بئره، فانطلقت فأخذت حمارين أعرابيين، فاستقت له من بئر رومة، ثم جاءته به، فشرب فأعجبه و قال: زيديني من هذا الماء، فكانت تصير إليه به مقامه، فلما خرج قال لها: يا فكهة إنه ليس معنا من الصفراء و البيضاء شيء، و لكن لك ما تركنا من أزوادنا و متاعنا، فلما خرج نقلت ما بقي من أزوادهم و متاعهم، فيقال: إنها كانت لم تزل هي و ولدها أكثر بني زريق مالا حتى جاء الإسلام.