وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٣ - الطرف الرابع بيان طريقي ذهاب النبي للمصلى و رجوعه
ماشيا على باب سعد بن أبي وقاص، و يرجع إلى أبي هريرة» و حينئذ فيمر على دار أبي هريرة في ذهابه ثم في رجوعه؛ لأن الشافعي روى في الأم و منها نقلت عن المطلب بن حنطب أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) «كان يغدو يوم العيد إلى المصلى من الطريق الأعظم، فإذا رجع رجع من الطريق الأخرى على دار عمار بن ياسر».
و رواه ابن زبالة عن محمد بن عمار بلفظ «كان يخرج إلى المصلى من الطريق العظمى على أصحاب الفساطيط، و يرجع من الطريق الأخرى على دار عمار بن ياسر» و قد قدمنا أن دار عمار بن ياسر في زقاق عبد الرحمن بن الحارث الذي يسلك إلى البلاط عند دار أبي هريرة بابها يقابل دار عبد الرحمن بن الحارث، و لها خوخة في كتّاب عروة، فصحّ مروره (صلّى اللّه عليه و سلم) عليها مرتين في غداة واحدة مع ذهابه من طريق و رجوعه في أخرى.
و سيأتي في ذكر طريقه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى قباء ذهابا و إيابا ما يصرح بأنه إذا رجع يمر على مسجد بني زريق من كتّاب عروة حتى يخرج إلى البلاط، يعني من الزقاق المذكور؛ لما قدمناه في وصف البلاط.
و الطريق العظمى:- كما قال المطري- هي طريق الناس اليوم من باب المدينة: أي الدرب المعروف بدرب سويقة إلى مسجد المصلى، و لم يتعرض لبيان الطريق الأخرى، و قد منّ الله سبحانه و تعالى ببيانه فله الحمد على ذلك. و هذه الطريق هي المرادة بما رواه ابن زبالة عن عائشة (رضي الله عنها) أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) «كان يذبح أضحيته بيده إذا انصرف من المصلى على ناحية الطريق التي كان ينصرف منها» و تلك الطريق أو المكان الذي كان يذبح فيه مقابل المغرب مما يلي طريق بني زريق، أي أنه إذا انصرف من المصلّى أتى موضعا في غربي طريق بني زريق فذبح، ثم سلك في تلك الطريق، و هي سالكة في بني زريق آخذة من قبلة المصلى إلى أن يمر بدار أبي هريرة كما تقدم، و لهذا روى الواقدي عن عائشة و ابن عمر و غيرهما أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) «كان يذبح عند طرف الزقاق عند دار معاوية» أي المتقدم ذكرها. و سور المدينة اليوم مانع من سلوك هذه الطريق في الرجوع. و يستفاد من هذا أن المخالفة بين الطريقين لم تكن في جميعهما، إلا أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كان إذا وصل إلى محل البلاط الذي عند دار أبي هريرة لم يسلك في بقية الطريق العظمى، و هي الشارعة اليوم إلى باب السلام، بل يأخذ في ميسرة البلاط إلى الشام؛ لأن الظاهر أن غالب تلك الأماكن كانت براحا ثم يعرج إلى جهة داره بعد ذلك. على أن ما ذكرناه في وصف هذه الطريق مقتض لأن طريقه (صلّى اللّه عليه و سلم) في ذهابه أقصر من طريق رجوعه كما لا يخفى؛ فيعكر على القول بأن المستحب أن يذهب في أطول الطريقين و يرجع في أقصرهما.
و قد روى الشافعي (رحمه الله) تعالى في الأم عقب ما قدمناه عنه وصف طريق أخرى