وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٦ - تأسيس مسجد قباء
الفصل الثاني في مسجد قباء، و فضله، و خبر مسجد الضّرار
[مسجد قباء، و فضله]
تأسيس مسجد قباء
تقدم تأسيس النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لمسجد قباء في الفصل العاشر من الباب الثالث، عند مقدمه (صلّى اللّه عليه و سلم) قباء، و بسطنا ذلك هناك، فراجعه و ذكرنا هناك ما جاء من أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عمل فيه بنفسه، و أنه أسّسه و جبريل يؤمّ به البيت، و أنه كان يقال: إنه أقوم مسجد قبلة، و أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أسسه ثانيا بعد تحويل القبلة، و قدمنا أيضا قول عروة في الصحيح في حديث الهجرة الطويل «فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، و أسس المسجد الذي أسس على التقوى».
و في رواية عبد الرزاق عنه قال «الذين بنى فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف» و كذا في حديث ابن عباس عند ابن عابد و لفظه «و مكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال، و اتخذ مكانه مسجدّا فكان يصلي فيه، ثم بناه بنو عمرو بن عوف، فهو الذي أسس على التقوى» و قدمنا أيضا أنه أول مسجد بناه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و صلى فيه بأصحابه جماعة ظاهرا.
قال الحافظ ابن حجر: اختلف في المراد بقوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة: ١٠٨] فالجمهور على أن المراد مسجد قباء، و هو ظاهر الآية، و تقدم في فضل المسجد النبوي حديث مسلم المشتمل على أن أبا سعيد سأل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال «هو مسجدكم هذا» و في رواية لأحمد و الترمذي عنه: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد المدينة، فسألاه عن ذلك، فقال: هو هذا، و في ذلك- يعني مسجد قباء- خير كثير، و قدمنا أيضا الجمع بأن كلا من المسجدين قد أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه، و أنهما المراد من الآية، و أن السر في اقتصاره (صلّى اللّه عليه و سلم) على ذكر مسجد المدينة دفع توهم اختصاص ذلك بمسجد قباء، كما هو ظاهر ما فهمه السائل و تنويها بمزية مسجده الشريف.
قال الحافظ ابن حجر: و الحق أن كلا منهما أسس على التقوى، و قوله تعالى في بقية الآية فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة: ١٠٨] يؤيد كون المراد مسجد قباء.
و عند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: نزلت فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا في أهل قباء، قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية.
قال الحافظ ابن حجر: فالسر في جوابه (صلّى اللّه عليه و سلم) بما تقدم دفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء.