وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٠٩ - زعموا أن هارون مدفون بأحد
كما جاز التسبيح منها، و قد خاطبه (صلّى اللّه عليه و سلم) مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب «اسكن أحد» الحديث.
و قال الحافظ المنذري: قال البغوي: الأولى إجراء الحديث على ظاهره، و لا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء و أهل الطاعة كما حنّت الأسطوانة لمفارقته (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى سمع القوم حنينها، و كما أخبر أن حجرا كان يسلم عليه (صلّى اللّه عليه و سلم) قبل الوحي؛ فلا ينكر أن يكون جبل أحد و جميع أجزاء المدينة تحبه و تحنّ إلى لقائه، قال المنذري: و هو جيد.
قلت: و يرجحه قوله في الحديث المتقدم «فإذا جئتموه فكلوا من شجره» فإن عيرا يجاوره أهل قباء، و يظهر للقادم من جهة مكة قبل أحد، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
و قال السهيلي: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يحب الفأل الحسن، و الاسم الحسن، و لا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية، و مع ذلك فحركاته الرفع، و ذلك مشعر بارتفاع دين الأحد، فتعلق الحب به من النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لفظا و معنى، فخص بذلك.
و ليضف إليه أن المحبة لما تعلقت من الجانبين، و كان المرء مع من أحب، كان هذا الجبل معه (صلّى اللّه عليه و سلم) في الجنة إذا بسّت الجبال بسا.
و أيضا لما انقسم أهل المدينة إلى محب موحّد و هم المؤمنون و إلى منافق مبغض و هم الجاهلون الجاحدون كأبي عامر الراهب و غيره من المنافقين، و كانوا ثلث الناس يوم أحد رجعوا مع ابن أبي و لم يحضروا أحدا؛ انقسمت بقاع المدينة كذلك، فجعل الله تعالى هذا الجبل حبيبا محبوبا كمن حضر به، و جعله معه في الجنة، و خصه بهذا الاسم، و جعل عيرا مبغوضا إن صح الحديث فيه، و جعل بجهته المنافقين من أهل مسجد الضرار فرجعوا من جهة أحد إلى جهته فكان معهم في النار، و خصه باسم العير الذي هو الحمار المذموم أخلاقا و جهلا، و الله أعلم.
و روى ابن شبة كما سبق في سكنى اليهود بالمدينة عن جابر بن عبد الله مرفوعا: خرج موسى و هارون (عليهما السلام) حاجّين أو معتمرين، حتى إذا قدما المدينة خافا اليهود فنزلا أحدا و هارون مريض، فحفر له موسى قبرا بأحد، و قال يا أخي ادخل فيه فإنك ميت، فدخل فيه، فلما دخل قبضه الله، فحثا موسى عليه التراب.
زعموا أن هارون مدفون بأحد
قلت: بأحد شعب يعرف بشعب هارون، يزعمون أن قبر هارون (عليه السلام) في أعلاه، و هو بعيد حسا و معنى، و ليس ثم ما يصلح للحفر و إخراج التراب. و في أعلى أحد بناء اتخذه بعض الفقراء قريبا و الناس يصعدون إليه، و لم يرد تعيين المحل الذي صعده النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من أحد، نعم ورد صلاته بالمسجد الملاصق به المعروف بمسجد الفتح كما سبق في المساجد.