وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٤ - الطرف الرابع بيان طريقي ذهاب النبي للمصلى و رجوعه
الرجوع فيها أبعد من الذهاب أيضا بكثير جدّا؛ فإنه روى عقب ذلك عن معاذ بن عبد الرحمن التيمي عن أبيه عن جده أنه رأى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) رجع من المصلّى يوم عيد فسلك على التمارين من أسفل السوق، حتى إذا كان عند مسجد الأعرج الذي هو عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل فج أسلم فدعا ثم انصرف.
قال الشافعي عقبه: و أحبّ أن يصنع الإمام مثل هذا، و أن يقف في موضع فيدعو الله مستقبل القبلة، و إن لم يفعل فلا كفارة و لا إعادة عليه، هذا لفظ الأم و منها نقلت.
و يؤيد هذا ما رواه يحيى عن محمد بن طلحة بن طويل قال: رأيت عثمان بن عبد الرحمن و محمد ابن المنكدر ينصرفان من العيد فيقومان عند البركة التي بأسفل السوق، قال:
و سألت عثمان بن عبد الرحمن عن ذلك فقال: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يقف عند ذلك المكان إذا انصرف من العيد.
و قد قدمنا عن ابن زبالة في سوف المدينة أن محمد بن المنكدر و عثمان بن عبد الرحمن و جماعة كانوا يقومون بفناء بركة السوق مستقبلين، و أن عثمان بن عبد الرحمن قال: قد اختلف علينا في ذلك؛ فقائل يقول: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يدعو هنالك، و قائل يقول: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يقوم هنالك فينظر إلى الناس إذا انصرفوا من العيد.
قلت: و قد بينت رواية الشافعي المذكور أنه كان يدعو هنالك إذا انصرف من العيد، و لا مانع من كونه مع ذلك ينظر إلى الناس المنصرفين من العيد أيضا فلا اختلاف. و قد بينا هناك ما يقتضي أنه كان يسلك على سوق التمارين، و هو في شامي المصلى مما يلي المغرب، و بينا أيضا أن منازل أسلم كانت في غربي سوق المدينة إلى الشام بعد التمارين، و ذلك عند حصن أمير المدينة و ما سفل منه إلى جهة الشام مما يلي غربي سوق الشاميين عند منزل الحاج الشامي بالموسم، و بينا بركة بركة السوق هي المنهل المدرج الذي على يسار المتوجه إلى ثنيّة الوداع عند مشهد النفس الزكية، و القائم عندها إذا استقبل فجّ أسلم كان مستقبلا للقبلة، و لعل مسجد الأعرج الذي أشار الشافعي في روايته إلى أنه عندها هو الموضع الذي هو قبلة مشهد النفس الزكية، فإنه مسجد، و هو عند موضع البركة، و ما علمت المرأة بالأعرج الذي نسب إليه المسجد المذكور.
و قد أنشأ قاضي الحرمين السيد الشريف العلامة محيي الدين عبد القادر الحنبلي الفاسي المكي مسجدّا بمنزلة الحاج الشامي بالقرب من المنهل المذكور في جهة قبلته.
إذا علمت ذلك فهذه الطريق تزيد على الطريق العظمى إلى المصلى بنحو ضعفها، و يمكن سلوكها اليوم في الرجوع من المصلى، بخلاف الطريق السابقة؛ لحيلولة السور.