وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٤١ - ضبط بيرحاء
و قول أبي بكر بن موسى «السقيا بئر بالمدينة منها كان يستقى لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)» محمول على هذا؛ لأن الفرع من عمل المدينة، ثم قال: و أما البئر التي على باب المدينة بينها و بين ثنيّة الوداع أي المدرج بها كما سيأتي عنه فيظنها أهل المدينة أنها هي السقيا المذكورة في الحديث، قال: و الظاهر أنه وهم، قال: و مما يؤكد ذلك قوله في الحديث «من بيوت السقيا» و لم يكن عند هذا البئر بيوت في وقت، و لم ينقل ذلك، و أيضا إنما استعذب له (صلّى اللّه عليه و سلم) الماء من السقيا لما استوخموا مياه آبار المدينة، قال: و هذه البئر التي ذكرناها- أي التي بين المدينة و المدرج- كانت لسعد بن أبي وقاص فيما حكاه المطري، قال يعني المطري: و نقل أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عرض جيش بدر بالسقيا التي كانت لسعد، و صلى في مسجدها، و دعا هنالك لأهل المدينة، و شرب (صلّى اللّه عليه و سلم) من بئرها، و يقال لأرضها «الفلجان» بضم الفاء و الجيم، و هي اليوم معطّلة، و كانت مطمومة فأصلمها بعض فقراء العجم، اه.
قلت: حمله لكلام أبي بكر بن موسى على ما ذكره و نقله ما جاء في السقيا المذكورة عن المطري يقتضي أنه لم يقف على ما قدمناه عن ابن زبالة و ابن شبة، و أنه لا يرى أن بالمدينة نفسها بئرا تسمى بالسقيا، و هو وهم مردود، مع أن المعتمد عندي أن السقيا التي جاء حديث الاستعذاب منها إنما هي سقيا المدينة، و ذلك لوجوه:
الأول: إيراد ابن شبة للحديث في ترجمة آبار المدينة التي كان يستقى له (صلّى اللّه عليه و سلم) منها.
الثاني: قرنه لذلك بحديث عرض جيش بدر بها، و إيراد ابن زبالة في سياق آبار المدينة، و السقيا التي من عمل الفرع ليست من طريق النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى بدر؛ لأن تلك الطريق معروفة، و السقيا المذكورة معروفة أيضا، و ليست في جهتها كما سيأتي في بيان محلها، و أيضا ففي حديث جابر المتقدم أنهم اعترضوا بالسقيا عند قتال اليهود بحسيكة مع بيان أن حسيكة بالمدينة نفسها إلى الجرف.
الثالث: ما تقدم أيضا من أنها كانت لبعض بني زريق من الأنصار، و تحريض والد جابر له على شرائها، و أن سعدا سبقه لذلك.
الرابع: ما تقدم في رواية الواقدي من أنه كان يستقي له (صلّى اللّه عليه و سلم) منها مرة و من بئر غرس مرة، و يبعد كلّ البعد قرن السقيا التي هي على يومين بل أيام من المدينة كما سيأتي ببئر غرس التي هي بالمدينة.
الخامس: ما في رواية الواقدي أيضا من أن المتعاطي لذلك أبناء أسماء أنس و هند و حارثة، و مثل هؤلاء إنما يستقون من المدينة و ما حولها؛ لأن سقيا الفرع تحتاج إلى جمال و رجال.
السادس: ما قدمناه في مسجد السقيا من إيراد الأسدي له في المساجد التي تزار بالمدينة، ثم ذكر في المساجد التي بين الحرمين مسجد السقيا التي هي من عمل الفرع.