وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٠٣ - الفصل الثالث في العرصة و قصورها، و شيء مما قيل فيها و في العقيق من الشعر
و عن رجل من الأنصار أنه كان نازلا تحت سرحة ببطن العقيق إذ وقف عليه ابن عمر، فسلم، ثم قال: من دلّك عليها؟ قال: الذي دلّك عليها، قال ابن عمر: فهل تدري لم يستحب ظلال السرح: قال الرجل: إنه ظليل، و ليس له شوك، قال ابن عمر: و لغيره، أ رأيت إذا كنت بين الأخشبين من منى فإن بينك و بين مطلع الشمس واديا يقال له وادي سرر، سرّ به سبعون نبيا، و قد سر نبي منهم تحت سرحة فدعا للسرح، فهي لا تقيل كما يقيل الشجر.
و عن محمد بن معن الغفاري قال: أراد محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أن يخرج إلى مكة، فذكر ذلك لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال له عبد العزيز: هل لك أن تقيل عندي أنت و أصحابك ثم تروحون من عندنا و هو بالبطحان في قصر عمر بن عبد العزيز؟ فقال محمد: نعم، فهيأ لهم نزلا، فقال محمد: ما بقي شيء يبر به أحد أحدا إلا و قد أنزلتناه إلا طعام البادية، قال: و ما هو؟ قال: التمر و الزبد، قال: أما الغنم فإنها لعاصم بنت سفيان بن عاصم بن عبد العزيز، يعني امرأته، و لست مقدما على شيء منها إلا بإذنها، و لكني سأستطعمها لكم، و كتب إليها:
إن عندي فدتك نفسي ضيوفا * * * واجب حقّهم كهولا و مردا
عمدوا جارك الذي كان قدما * * * لا يرى من كرامة الضيف بدا
فلديه أضيافه قد قراهم * * * و همو يشتهون تمرا و زبدا
فلهذا جرى الحديث، و لكن * * * قد جعلنا بعض المزاحة جدّا
فقال له محمد: ما زال هذا العيش بينكما، قال: نعم و الله ما مسست غيرها، و لا احتلمت بغيرها قط، و لا خالفتها في شيء هويته قط، فبعثت إليهم بتمر و زبد.
و عن عبد العزيز بن أبي حازم قال: كان عروة بن الزبير قائما بفناء قصره نصف النهار، إذ أقبل شيخ من أهل المدينة معه حمام، فوقف عند الميل، فمسح حمامه، و سوّى ريشه ثم أرسله، ثم أقبل على بئر عروة فشرب من مائها، فقال له عروة: جئت في مثل هذه الساعة كأنك صبي، فأرسلت حماما، و قد قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) «شيطان يتبعه شيطان» فقال الشيخ:
يا خليلي لا تكلم * * * ليس فيه من ملام
و عن عبد العزيز بن عبد الله قال: بينا أنا بالعقيق إذ أقبل رجل له موضع يحمل حماما، فقلت له: مثلك يحمل هذا الحمام؟ و لا أراك إلا قد راهنت به، قال: أجل، و ما في ذلك؟
قلت: إنه حرام، قال: فهذه الخيل يراهن بها، قلت: تلك سنة، قال: و هذه رعلة، ثم انصرف، انتهى.