وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٥٤ - مسجد أبيّ بن كعب (بني جديلة) (البقيع)
وجه آخر عن محمد بن جبير عن عبد الرحمن، و من وجه آخر عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن لم يذكر فيه الركعتين، بل ذكر السجود فقط، فزاد عبد الواحد في حديثه: فسجدت لله شكرا. و رواه ابن زبالة بالطريق الأولى بلفظها، إلا أنه قال: فقلت بأبي و أمي لقد سجدت سجدة أشفقت إلى آخره. و رواه ابن أبي الدنيا و أبو يعلى و البزار، إلا أن في روايتهم: فجئته و قد خرج، فاتبعته فدخل حائطا من حيطان الأسواق، فصلى فأطال السجود، فقلت: قبض الله روح رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) لا أراه أبدا، فحزنت و بكيت، فرفع رأسه، فدعاني فقال: ما الذي بك؟ أو ما الذي وراءك؟ فقلت: يا رسول الله أطلت السجود فقلت قبض الله رسوله لا أراه أبدا، فحزنت و بكيت، قال: سجدت هذه السجدة شكرا لربي فيما أبلاني في أمتي أنه قال: من صلّى عليك منهم صلاة كتب له عشر حسنات، و هذا اللفظ للبزار.
قلت: و الأسواق قريبة من موضع هذا المسجد جدّا، و يحتمل أن محل السجدة المذكورة، بل هو الظاهر؛ فلذلك أثبتناه. و حديث عبد الرحمن هذا أخرجه الإمام أحمد بلفظ: خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فتوجّه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجدا فأطال السجود حتى ظننت أن الله قبض نفسه فيها، فدنوت منه، فرفع رأسه و قال: من هذا؟
قلت: عبد الرحمن، قال: ما شأنك؟ قلت: يا رسول الله سجدت سجدة ظننت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها، فقال: إن جبريل أتاني فبشرني فقال: إن الله عز و جل يقول: من صلّى عليك صليت عليه، و من سلم عليك سلمت عليه، قال البيهقي في الخلافيات عن الحاكم قال: هذا صحيح، و لا أعلم في سجدة الشكر أصح من هذا الحديث، انتهى.
و قوله «نحو صدقته» ينبغي حمله على الرواية المتقدمة، و لا يمتنع أن يكون بعض حوائط الأسواق كان من صدقة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، مع أن بالقرب منه موضعا يعرف قديما و حديثا بالصدقة، أو أن القصة متعددة، و الله أعلم.
مسجد أبيّ بن كعب (بني جديلة) (البقيع)
و منها: مسجد على يمين الخارج من درب البقيع على ما ذكره البرهان بن فرحون فإنه قال عقب ذكر المسجد المتقدم قبل هذا: إنه لم يرد فيه شيء يعتمد، ثم قال: و كذلك المسجد في أول البقيع على يمين الخارج من درب الجمعة، انتهى.
قلت: يعني الموضع الذي في غربي مشهد عقيل و أمهات المؤمنين، و به اليوم أسطوان قائمة، و بلغني أنه كان به عقدان سقطا، و بقاياه شاهدة بأنه كان مبنيا بالحجارة المنقوشة