وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٢٧ - حمى ضرية
أحق به، فجمع بعضهم لبعض بملتقى قنيع، و كان سيد بني جعفر عبود بن خالد، و رأس أبي بكر معروف بن عبد الكريم و أخته زوجة عبود أم ولده طفيل، و كان طفيل من أشد بني جعفر على أخواله، فخرجت أمّه ليلا لقومها، فقالت: أشد بني جعفر لكم عداوة ابن أختكم، فإنه معلم بحبه حرمر، فليكن أول قتيل، ثم تداعى القوم للصلح على تحكيم سلمة ابن عمرو العريقي، و كتبوا بذلك و أشهدوا و تواعدوا أن يتوافوا عنده بأربعين من كل بطن، ثم نزلوا بسلمة عند الأجل، فأقام أياما ينحر لهم كل يوم جزورا، و يعطف بعضه على بعض، و يزهدهم في قنيع، فقالوا: إنا لم نجئ لتنحر لنا إبلك، فقال: حياكم الله يا بني كلاب، أتيتموني في أمر عار ذكره و أهجن، و لست بحاكم حتى أعقد لنفسي أن لا تردّوا أنتم و لا من وراء كم حكمي، فأخذ عليهم الطلاق و العتاق و المواثيق، ثم قال: أراكم يا بني كلاب كلكم ظالم، تقطعون أرحامكم في غير مائكم، لا أرى لأحد منكم فيه حقا، فرضوا جميعا، فامتدحه شعراؤهم، و كان شريفا حسن العلم بالسنن.
قال عقيل بن عرندس الكلابي يمدحه و أهل بيته بني عمرو بقصيدة منها:
يا أيها الرجل المعني شبيبته * * * تبكي على ذات خلخال و أسوار
خيرتنا و بنى عمرو فإنهم * * * ذوو فضول و أحلام و أنظار
هينون لينون أيسار بنو يسر * * * سوّاس مكرمة أبناء أيسار
من تلق منهم فقد لاقيت سيدهم * * * مثل النجوم سرى في ضوئها الساري
و قال فيه و في أخيه جامع أحد بني بكر:
إذا ما غنى فأخرتها قبيلة * * * فإن غنيّا في ذرى المجد أفخر
و كم فيهم من سيد و ابن سيد * * * و من فارس يوم الكريهة مسعر
هم رتقوا الفتق الذي كان باديا * * * و قاموا بأفق الحق، و الحقّ أنور
فرحنا جميعا طائعين لحكمه * * * و هل يدفع الحكم الجليل المنور
و احتفر بعض بني حسن بن علي بالحمى، و اتخذ إلى جنب حفرته عينا ساحت ثم خرجت في غربي طخفة بشاطئ الريان على ثلاثة عشر ميلا من ضرية، و هي بيد ناس من بني جعفر ثم من بني ملاعب الأسنة من جهة بني أختهم الحسنيين.
و كان لبني الأردم- و هم من بني تميم بن لؤي- ماء قديم على طريق أهل ضرية إلى المدينة على ثمانية عشر ميلا من ضرية يسمى الجفر، و معهم نفر من بني عامر بن لؤي، فاحتفر سعيد بن سليمان الساحقي العاري عينا و أساحها و غرس عليها نخلا كثيرا على ميل أو نحوه من حفر بني الأدرم بدارة الأسود جبل عظيم أسود، و هي عامرة كثيرة النخل.
و لما ولى إبراهيم بن هشام المدينة احتفر بالحمى حفيرة لهضب اليمنى على ستة أميال من