وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٦٠ - مسجد الشجرة (ذي الحليفة)
و روى ابن زبالة عنه أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر، و في حجته حين حج، تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة.
و عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال: صلّى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) في مسجد الشجرة إلى الأسطوانة الوسطى، استقبلها، و كانت موضع الشجرة التي كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يصلي إليها.
و عن أنس بن مالك قال: صليت مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) بالمدينة الظهر أربعا، و العصر بذي الحليفة ركعتين.
و عن ابن عمر أيضا أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة و صلى بها.
قلت: المعنيّ بذلك موضع المسجد المذكور، فإنه كان موضع نزوله (صلّى اللّه عليه و سلم)، و بنى في موضع الشجرة التي كانت هناك، و بها سمي «مسجد الشجرة» و هي السّمرة التي ذكر في حديث ابن عمر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كان ينزل تحتها بذي الحليفة كما في الصحيح.
و في صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلّ فقال: لبّيك اللهم لبيك، الحديث.
و في رواية له: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلّ بهؤلاء الكلمات.
و يتحصل من صحيح الروايات أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) خرج لحجته نهارا، و بات بذي الحليفة، و أحرم في اليوم الثاني من عند المسجد، فيظهر أن صلواته (صلّى اللّه عليه و سلم) في تلك المدة كانت كلها به، و لم أقف على اغتساله (صلّى اللّه عليه و سلم) لإحرامه بذي الحليفة.
و في باب «ما يلبس المحرم» من البخاري عن ابن عباس قال: انطلق النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من المدينة بعد ما ترجّل و ادّهن و لبس إزاره و رداءه هو و أصحابه الحديث، و ليس فيه تصريح بالاغتسال، لكن في طبقات ابن سعد أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) خرج في حجة الوداع من المدينة مغتسلا متدهنا مترجّلا متجرّدا في ثوبين سحاريين إزار و رداء، و ذلك يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة.
و في كتاب التنبيهات للقاضي عياض: ظاهر المذهب أن المستحب الاغتسال بالمدينة، ثم يسير من فوره، و بذلك فسّره سحنون و ابن الماجشون، و هو الذي فعله النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، كما استحب أن يلبس حينئذ ثياب إحرامه، و كذلك فعل (عليه الصلاة و السلام)، انتهى.
قلت: و لم يتعرض أصحابنا لذلك، لكن قالوا: إن من اغتسل في التنعيم في الإحرام أجزأه عن الغسل لدخول مكة للقرب، فيؤخذ منه اعتبار القرب، و هو مناف لظاهر ما نقل عنه (صلّى اللّه عليه و سلم)، إذ لم يحرم من ذي الحليفة إلا في اليوم الثاني، فيحتمل أنه أعاد الغسل حينئذ بذي الحليفة. أما لو كان الإحرام عقب الوضوء إلى ذي الحليفة و نحوه فلا يبعد القول به عندنا، كما ذكروا في الغسل للجمعة من الفجر، و عدم اشتراطهم لاتصاله بالرّواح.