وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٣٤ - كبد منى
و بين منى دارة الفهيدة التي عقرت لها ناقة المنسرح و عقر لها ما عقر، و ذلك أنه كان تمثالا لا يكاد يبين، و له صريمة يحلب عقيلتها لأمه، فكانت حياتها لأن الناس أشتوا، فبينا هو بدارة الفهيدة في ولاية ابن هشام إذ دخلت الحمى فتركها فباتت فرآها بعض الحواط من الموالي، فطرد الصريمة أقبح الطرد، فعرض له المنسرح ليكفه، و لا سلاح معه، فطعن الناقة التي يحلبها المنسرح لأمه في ضرعها فاختلط لبنها بدمها، فحلف لا يسكن الحمى و لا يمس رأسه دهن حتى يعقر إبل من عقر ناقته، فتوجه إلى قومه، فأخبرهم خبره، و طلب سيفا قاطعا لا يقع في شيء إلا خرج منه، فأعطوه إياه، فأتى إبلا للمولى مهاري، فقال للراعي:
أنا رسول مولاكم و هو بضرية يأمركم أن تعقلوا خيار إبلكم فإنه نصيحكم لأمر حدث، و أخرج لهم عقلا، فصدقوه و حلبوا له ناقة، فوضع الإناء، فقالوا: أ لا تغتبق، قال: دعوه حتى يبرد، قال: و إنما كرهت أن أشرب اللبن و أعقر إبله.
فلما غفلوا عنه أهراقه، و عقلوا من خيار الإبل نحو ثلاثين، فلما ناموا استلّ سيفه و ضرب ناقة على حقيبتها فمضى حتى فلق ضرعها، و تواثبت الإبل، فطفق في المعقلة عقرا حتى أتى عليها، و قطع بعضها العقل فتبعها فما أدرك بعيرا إلا عقره، و فطن الرعاء فرأوا ما يعمل السيف، فولوا هربا، ثم دفن سيفه بالحمى، و كان أعز عليه من نفسه، و أرسل يخبر أهله، و ركب صاحب الإبل في الناس حتى نظروا إليها، و قال الرّعاء لا نعرفه إلا أنه بمقام، فعرف أنه المنسرح، فأمر ابن هشام بطلبه، و أخذ إخوته و أهل بيته فحبسوا، فسمع، فجاء إلى العامل فقال: حلّ هؤلاء فأنا بغيتك، فحبسه و خلّاهم، و رفعه في وثاق إلى ابن هشام، و خرج معه بعض أهل بيته، قالوا: فلما قدمنا المدينة جعل يأتينا الرجل الشريف فيسألنا عن السيف، و يقول: أ رأيتم إن خلّصت صاحبكم و ضمنت عنه تأتوني بالسيف، فننكر و لا نقر بشيء من أمر السيف، فتوعّده ابن هشام و سأله أن يقر، فأبى، و كلم أصحابه نفر من بني مخزوم في أن يؤخذ صاحبهم بالبينة أو يحلف، فسأل ابن هشام خصمه البينة، فلم يقمها، فأمر بيمينه عند المنبر الشريف.
فلما قرب من المنبر و ذكر له ما يحلف عليه، و اندفع يحلف، شرح الله لسانه فقال:
أحلف بالله لأنا عقرت إبل فلان بيدي، و لقد برئ منها غيري، فردوه إلى ابن هشام، و ابتدرته قريش كل يقول: عليّ الإبل، طمعا في السيف، ثم اختلف علماء غنى؛ فقال بعضهم: احتمل ذلك رجل من قريش، و خلي سبيله، و خرج معه رسول للسيف، فطلبه فلم يقدر عليه، و انطلق لسانه من يومئذ فسمي المنسرح.
ثم يلي كبد مني هضب الأشق. هذا آخر ما لخصته من كتاب الهجري.