وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٥٢ - مسجد العسكر
و سيأتي في قبر حمزة (رضي الله تعالى عنه) ما رواه ابن شبة من أنه لما قتل أقام في موضعه تحت جبل الرّماة و هو الجبل المذكور، ثم أمر به النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فحمل عن بطن الوادي، و هذا هو محل المسجد الثاني.
و أما هذا المسجد فقد روى ابن شبة فيه عن جابر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) صلّى الظهر يوم أحد على عينين الظرب الذي بأحد عند القنطرة، و كأنه يعني بالقنطرة قنطرة العين التي كانت قديما هناك. و أشار إليها المطري بقوله عقب ذكر هذا المسجد: و قد تجدّدت هناك عين ماء، جدّدها الأمير بدر الدين ودي بن جماز صاحب المد، مفيضها بالقرب من هذا المسجد، انتهى.
و العين اليوم دائرة، و قد تقدم في غزوة أحد أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في ذهابه إلى أحد بات بالشيخان [١] و أدلج في السحر فانتهى إلى موضع القنطرة، فحانت الصلاة فصلّى بأصحابه الصبح صفوفا عليهم السلاح؛ فيحتمل: أن المراد بذلك هذا المسجد، و يحتمل- و هو الأظهر-: أن يراد به المسجد الآتي ذكره عقبه؛ لأن في رواية ابن شبة ذكر صلاة الظهر و أن الموضع من نفس الجبل عند القنطرة، و في هذه الرواية صلاة الصبح و أن ذلك في موضع القنطرة، و الله أعلم.
مسجد العسكر
و منها: مسجد في شمالي المسجد المذكور قبله قرب عينين أيضا، على شفير الوادي، قد تهدم أكثره، و كان مبنيا بالحجارة المنقوشة المطابقة على هيئة البناء العمري، و فيه بقايا آثار الأساطين، و لم أقف فيه على شيء سوى ما قدمته من الاحتمال الثاني في الرواية المتقدمة.
و ذكر المطري أنه يقال: إنه مصرع حمزة (رضي الله تعالى عنه)، و إنه مشى بطعنته من الموضع الأول إلى هناك فصرع (رضي الله تعالى عنه).
و قد أشرنا فيما سبق إلى أصل ما جاء في أن الموضع الثاني مكان مقتله، و إنما أثبتّه في المساجد- مع ما قدمته من أني لم أقف فيه على شيء صريح- لأن ابن شبة قال ما لفظه:
قال أبو غسان: و قال لي غير واحد من أهل العلم من أهل البلد: إن كل مسجد من مساجد المدينة و نواحيها مبنيّ بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد صلى فيه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و ذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) سأل و الناس يومئذ متوافرون عن المساجد التي صلّى فيها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة، انتهى.
و قد ذكر هذا المسجد أبو عبد الله الأسدي من المتقدمين، و سماه مسجد العسكر، فقال
[١] الشيخان: موضع بالمدينة، و هو معسكر الرسول (عليه الصلاة و السلام)، يوم أحد.