وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٢٩ - حمى ضرية
دعوت الله إذ سغبت عيالي * * * ليجعل لي لدى وسط طعاما
فأعطاني ضريّة خير بئر * * * تمجّ الماء و الحب التؤاما
و وسط: جبل على ستة أميال من ضرية يطأ الحاج المصعد خيشومه، و بناحيته اليسرى دارة سعتها ثلاثة أميال أو أربعة، و قنيع في أعلاها، و هي بين وسط و عسعس و يقال لها أيضا: دارة عسعس، و عسعس: جبل أحمر مجتمع في السماء بهيئة رجل جالس له رأس و منكبان.
و أما عين ضرية و سيحها فيقال: إنه كان لعثمان بن عنبسة بن أبي سفيان، و هو الذي حفرها و اغترس النخل و ضفر بها ضفيرة بالصخر لينحبس الماء، و هو سد يعترض الوادي فيقطع ماءه و ينحبس زمانا ليكون أغزر للعين، فلما قام أبو العباس كان ذلك فيما قبضوا، ففي آخر ولاية أبي العباس و كانت تحته أم سلمة المخزومية من بني جعفر بن كلاب و قد أحالها معروف بن عبد الله عليه فأكرمه فسأله أن يقطعه عين ضرية فأقطعه، و كان بدويا ذا زرع، فلما أرطب نخلها نزلها بأهله، و كانت نعمه ترد عليه، و سأله ناس من ضريّة أن يعريهم من نخله، فأعراهم، و صار يجني للضيفان من الرطب، و يحلب لهم من إبله، فمكث نحو شهرين، فأتاه ضيفان بعد ما ولي الرطب، فأرسل فلم يؤت إلا بقليل، و قال له الرسول: ذهب الرطب إلا ما ترى، فقال: يسوؤني أن أعود على ضيفاني من نخلكم، و كان قيمه على العين زرع قثاء و بطيخا، فأتاه بشيء منه، فقال: قبح الله ما جئت به، احذر أن يراه عيالي، و كره النخل، و أراد بيعه، فاشتراه منه عبد الله الهاشمي عامل اليمامة بألفي دينار، ثم ولاه جعفر بن سليمان إذ سأله إياه، فأحدث بسوق ضرية حوانيت جعلها سماطين داخلين في سماطي ضرية الأولين فيهما نيف و ثمانون حانوتا، فربما جمعت غلة الحوانيت و النخل و الزرع ثمانية آلاف درهم في السنة، و كان شأن الحمى عند ولاة المدينة عظيما، كانوا يستعملون عاملا وحده، و كانت إصابته فيه عظيمة، و كان لحواطه سلطان عظيم، و حواط كل ناحية: سادة القوم و أشرافهم، و كان يقال لعامل الحمى: عامل الشرف.
و أقرب أجبل الحمى للمصعد- أي أقرب ما ترى من جباله- جبل الستار على طريق البصرة، أحمر مستطيل فيه ثنايا تسلك، و منه طريق البصرة، بينه و بين أمرة خمسة أميال، و هو في دار غنى في ناحية هضب الأشق، و بالأشق مياه: منها الريان في أصل جبل أحمر طويل، و من هضب الأشق هضبة في ناحية عرفج يقال لها الشيماء، و في غربي الأشق سواج الطريق تطأ خيشومه.
و متالع: جبل أحمر عظيم عن يمين أمرة، على ثلاثة أميال منها البثاءة بينها من أكرم أعلام العرب موضعا.