وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٥ - الطرف الرابع بيان طريقي ذهاب النبي للمصلى و رجوعه
و أهل المدينة اليوم يذهبون من الطريق العظمى، و يرجعون في بعض تلك الطريق السابقة؛ لأنهم يأخذون من جهة قبلة المصلّى إلى المشرق خارج سور المدينة، فيدخلون من درب البقيع، و طريقهم هذه في الرجوع أطول من الذهاب أيضا، و لو سلكوا الطريق المذكورة في رواية الشافعي الثانية لكان أولى، و ليحصل الدعاء بذلك المحل الشريف اقتداء بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و من تقدم ذكره من السلف الصالح.
و قد فعلت ذلك في عامنا هذا، فسلكت في الذهاب إلى المصلّى من الطريق العظمى، و رجعت من أسفل السوق إلى أن قمت بفناء بركته المذكورة، ثم انصرفت فدخلت المدينة من الباب الذي يلي حصن أمير المدينة، و الخير كله في الاتباع و مجانبة الابتداع، و أي بركة أعظم من ذهاب الإنسان إلى المصلى في ذلك اليوم السعيد في طريق ذهب منها النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ ثم صلاته بمصلّاه الشريف، ثم رجوعه في طريقه التي رجع منها.
و قد قال المجد: و إذا ثبت بما رويناه- يعني من الأحاديث المتقدمة- أن المصلّى الموجود هو مصلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في الأعياد، فالصلاة فيه تزداد فضلا و مزية على كل مصلى أيّ ازدياد، و يخص الفائزون بالصلاة فيه من الله تعالى بأسبغ نعم و أياد، و يمنح الحائزون فضل الحضور إليها فواضل قصرت عنها معالي معد و أيادي إياد.
قلت: و أخبرني جماعة من المشايخ منهم شيخنا الكمال أبو الفضل محمد ابن العلامة نجم الدين المرجاني و أخته المسندة أم كمال كماليه و المسندة أم حبيبة زينب ابنة الشهابي أحمد الشونكي و غيرهم إذنا عن المجد المشار إليه قال عقب ما تقدم عنه: أنشدني أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم الحموي كتابة عن أبي البركات أيمن بن محمد بن محمد بن محمد الغرناطي لنفسه:
إنّ عيدا بطيبة و صلاة * * * بمصلّى الرسول في يوم عيد
نعم ضاق واسع الشكر عنها * * * فهي بشرى لكل عبد سعيد
كم تمنيتها فنلت التمني * * * آخر العمر من مكان بعيد
و إذا كان في البقيع ضريحي * * * و توسّدت طيب ذاك الصعيد
فاشهدوا لي بكلّ خير و بشر * * * عند ربي و مبدئي و معيدي
و المسئول من فضل الله تعالى أن يكمل لأهل هذا المصلى الشريف عظيم منته بجعل منبره المنيف على طريقته (صلّى اللّه عليه و سلم) و سنته، بمنه و كرمه، آمين.