وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٩١ - خبر قصر عروة، و بئره
و عن ابن أبي ربيعة أنه مرّ بعروة و هو يبني قصره بالعقيق فقال: أردت الحرب يا أبا عبد الله؟ قال: لا، و لكن ذكر لي أنه سيصيبها عذاب، يعني المدينة، فقلت: إن أصابها كنت منتحيا عنها.
و عن عروة مرفوعا: يكون في آخر أمتي خسف و قذف و مسخ، و ذلك عند ظهور عمل قوم لوط، قال عروة: فبلغني أنه قد ظهر شيء منه، فتنحّيت عنها، و خشيت أن يقع و أنا بها، و بلغني أنه لا يصيب إلا أهل القصبة قصبة المدينة، و في نسخة المجد «القصيبة» مصغرا، فأوردوه في ترجمة القصيبة، و هو وهم.
و عن هشام قال: لما اتخذ عروة قصره قال له الناس: قد جفوت مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، قال: إني رأيت مساجدهم لاهية، و أسواقهم لاغية، و الفاحشة في فجاجهم عالية، فكان فيما هناك عما هم فيه عافية.
و تصدق عروة بقصره و أرضه و بئره على المسلمين، و أوصى بذلك إلى الوليد بن عبد الملك، فولاه ابنيه يحيى و عبد الله، ثم توفي يحيى و أقام عبد الله في القصر نحوا من أربعين سنة، ثم توفي عبد الله، ثم وليها هشام بن عروة بالسن، ثم عبد الله بن عروة، و قيل له:
مالك تركت المدينة؟ قال: لأني بين رجلين حاسد لنعمة أو شامت بمصيبة، و هو القائل:
لو كان يدري الشيخ عذري بالسحر * * * نحو السقاية الّتي كان احتفر
لفتية مثل الدّنانير غرر * * * وقاهم الله النّفاق و الضّجر
بين أبي بكر و زيد و عمر * * * ثمّ الحواريّ لهم جدّ أغر
فهم عليها بالعشيّ و البكر * * * يسقون من جاء و لا يؤذوا بشر
لزاد في الشّكر و كان قد شكر
و لما ولي إبراهيم بن هشام المدينة لهشام بن عبد الملك أراد أن يدخل في حقوق بني عروة بالفرع، فحال عبد الله و يحيى بينه و بين ذلك فهدم قصر عروة و شعّثه، و طرح في بئر عروة جملا مطليا بقطران، فكتب عبد الله إلى هشام بن عبد الملك بذلك، فكتب إلى ابن أبي عطاء عامله على ديوان المدينة أن يردّ ذلك على ما كان حتى يضع الوتد في موضعه، فكان غرم ذلك ألف دينار و ثلاثين ألف درهم.
و كان عبد الله يتحيّن ركوب ابن هشام، فإذا أشرف على الحرّة قال للناس: كبروا و لكم جزور، فيفعلون، فينحرها، فيغيظ بذلك ابن هشام و يبلغ منه.
و قال في ذلك يحيى بن عروة أبياتا منها:
ألا أبلغ مغلغلة بريدا * * * و أبلغ إن عرضت أبا سعيد
و أبلغ معشرا كانت إليهم * * * وصايا ما أريد بني الوليد