وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٠٨ - وجه تسمية أحد و حبه
و روى ابن شبة عن أنس بن مالك مرفوعا «لما تجلّى الله عز و جل للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة و ثلاثة بمكة، وقع بالمدينة أحد و ورقان و رضوى، و وقع بمكة حراء و ثبير و ثور».
موقع أحد من المدينة المنورة
قال أبو غسان راويه: فأما أحد فبناحية المدينة على ثلاثة أميال منها في شاميها، و أما ورقان فبالروحاء من المدينة على أربعة برد، و أما رضوى فبينبع على مسيرة أربع ليال، و أما حراء فبمكة و جاه بئر ميمون، و ثور أسفل مكة هو الذي اختفى فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) في غاره.
قلت: و لم يبين ثبيرا، و ما ذكره من المسافة إلى أحد يقرب مما حررته، فإني ذرعت ما بين عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب جبريل و بين المسجد الملاصق لجبل أحد المعروف بمسجد الفتح فكان ذلك ثلاثة أميال و زيادة خمسة و ثلاثين ذراعا، و أما ما بين باب المدينة المعروف بباب البقيع و بين أول جبل أحد فميلان و أربعة أسباع ميل يزيد يسيرا، و بين باب البقيع و مشهد سيدنا حمزة ميلان و ثلاثة أسباع ميل و خمس سبع ميل، و أذرع يسيرة، و قد علم بذلك التسامح الذي في قول النووي في تهذيبه: أحد بجنب المدينة على نحو ميلين، و كذا قول المطري و من تبعه: بين مشهد حمزة و المدينة ثلاثة أميال و نصف أو ما يقاربه، و إلى جبل أحد نحو أربعة أميال، و قيل: دون الفرسخ، انتهى.
وجه تسمية أحد و حبه
و قال السهيلي: سمي هذا الجبل أحدا لتوحده و انقطاعه عن جبال أخرى هناك، و لما وقع من أهله من نصر التوحيد.
و للعلماء في معنى قوله (صلّى اللّه عليه و سلم) «يحبنا و نحبه» أقوال:
أحدها: أنه على حذف مضاف، أي أهل أحد، و هم الأنصار؛ لأنهم جيرانه.
ثانيها: أنه للمسرة بلسان الحال؛ لأنه كان يبشره إذا رآه عند القدوم بالقرب من أهله، و ذلك فعل المحب.
ثالثها: أن الحب من الجانبين على الحقيقة، و أنه وضع فيه الحبّ كما وضع في الجبال المسبحة مع داود، و كما وضعت الخشية في الحجارة التي قال الله فيها وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة: ٧٤] سيما و قد جاء أنه طار من الجبل الذي تجلى الله عز و جل له كما سبق، و هذا الثالث هو الذي صححه النووي، و قال الحافظ ابن حجر: إن الظاهر أن ذلك لكونه من جبال الجنة، كما ثبت في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعا «جبل أحد يحبنا و نحبه، و هو من جبال الجنة» أخرجه أحمد، و لا مانع في جانب الجبل من إمكان المحبة،