وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١١ - الطرف الثالث
فلما له في ذلك من المقصد. و أما جعله المنبر على خلاف السنة و جعله القوم أو بعضهم خلف ظهره فلا ثمرة له، و أيضا فيبعد إقرار من جاء بعده على ذلك، و أيضا لو كان ذلك من فعله لأنكر عليه كما أنكر عليه ما تقدم، و لو سلم أن تلك الدرج في موضع منبر مروان فالسنة تغيير ذلك و اتباع ما صح من فعله (صلّى اللّه عليه و سلم)، كما خولف في أمر الخطبة و اتبع بها فعله (صلّى اللّه عليه و سلم) حيث جعلت بعد الصلاة، و التشبث باستمرار أفعال الناس إنما يكون في شيء لم يعلم حكمه من جهة الشرع، أما ما علم حكمه فالواجب اتباع الشرع فيه، و اعتقاد حدوث ما عليه الناس، و تقديره بأقرب زمان، و قد ذم الله تعالى قوما تمسكوا في جحد الحق بفعل سلفهم حيث قال حكاية عنهم: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٣] فمن الواجب تطهير هذا المحل الشريف المنسوب للمصطفى (صلّى اللّه عليه و سلم) عن هذه البدعة الشنعاء، و لذلك بينا بعض الدرج عن يمين القائم في محراب المسجد المذكور كما ذكر العلماء أنه السنة، و تكون مرتفعة بحيث يرى القائم عليها من خارج المسجد، و الذي يظهر أن تلك الدرج إنما جعلت للمبلغ، و أن الخطيب إنما كان يقوم فيه على الأرض؛ لأنه الثابت من فعله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فكأن بعض الخطباء قام عليها بعد ذلك فاستمر الأمر على ذلك، و الله أعلم.
الطرف الثالث:
فيما جاء في فضل المصلى الشريف، و الدعاء به، و نهيه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن تضييقه و البناء به.
أورد ابن شبة في ترجمة المصلى عن جناح النجار قال: خرجت مع عائشة بنت سعد بن أبي وقاص إلى مكة، فقالت لي: أين منزلك؟ فقلت لها: بالبلاط، فقالت لي: تمسك به فإني سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول «ما بين مسجدي هذا المسجد و مصلاي روضة من رياض الجنة».
و قوله في هذه الرواية: «ما بين مسجدي هذا المسجد- إلى آخره» يدفع تأويل من أوّل حديث الأوسط للطبراني بلفظ «ما بين حجرتي و مصلّاي» و الحديث الذي رواه ابن زبالة من طريق عائشة بنت سعد عن أبيها بلفظ «ما بين منبري و المصلى» بأن المراد مصلاه الذي يصلي فيه في المسجد؛ لأنه لا يصح أن يقال: ما بين هذا المسجد و المصلى الذي فيه، و لهذا استدلّت به عائشة بنت سعد على الحث على التمسك بالدور التي بالبلاط، يعني الآخذة من باب السلام إلى المصلى؛ لأنها فيما بين المسجد و مصلى العيد، و إذا كان ما بين المسجدين المذكورين روضة فهما روضة من باب أولى؛ لأن ذلك الفضل إنما حصل لما بينهما بحصوله (صلّى اللّه عليه و سلم) في ذلك و تردده (صلّى اللّه عليه و سلم) فيما بينهما، فكيف بمحلّ سجوده و موقفه الشريف؟
و روى ابن شبة عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا قدم من سفر فمر بالمصلّى استقبل القبلة و وقف يدعو.