وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٣ - المكان الذي كان الرسول يصلي فيه بمسجد قباء
الخارجة. ثم قال يحيى: و رأيت غير واحد من أهل بيتي منهم عبد الله و إسحاق ابنا موسى بن جعفر و حسين بن عبد الله بن عبد الله بن حسين يصلون إلى هذه الأسطوانة الخارجة إذا جاءوا قباء، و يذكرون أنه مصلّى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم). قال: و رأيت من أهل بيتي من يأتي قباء فيصلي إليها ممن يقتدى به ممن لا أبالي أن لا أرى غيره في الفقه و العلم، انتهى.
و عن يمين مستقبل الأسطوانة المذكورة هيئة محاريب في رحبة المسجد لم أعلم أصلها، و بالرواق الذي يلي الرحبة قريبا من محاذاة محراب المسجد دكّة مرتفعة عن أرض المسجد يسيرا أمامها محراب فيه حجر منقوش فيه قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة: ١٠٨] الآية، و بعدها ما لفظه: هذا مقام النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، جدّد هذا المسجد في تاريخ سنة إحدى و سبعين و ستمائة، و لم يتبين اسم من جدد المسجد. و ظاهر حال من صنع ذلك في هذا المحل أنه محلّ المصلّى الشريف، و فيما قدمناه ما يرده، و قد اغترّ المجد بذلك فجزم بأن تلك الدكة هي أول موضع صلّى فيه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كأنه حين ألّف كتابه كان غائبا عن المدينة، فوصف تلك الدكة بقوله: و في صحنه مما يلي القبلة شبه محراب على مصطبة هو أول موضع ركع فيه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كأنه وصفها بأنها في صحن المسجد ليجامع ما تقدم عن المؤرخين في وصف المصلى الشريف. و لا يصح القول بأنها كانت أولا في رحبة المسجد؛ لاحتمال أنه زيد بعده في المسقف القبلي رواق؛ لما سنبينه من أن أروقة المسجد و رحبته كانت على ما هي عليه اليوم، لم يزد فيها شيء بعد ما ذكره المؤرخون.
ثم رأيت ما ذكره المجد بحدوثه في رحلة ابن جبير، و كانت عام ثمان و سبعين و خمسمائة، فتلك الدكة التي يعنيها ابن جبير كانت في صحن المسجد عند الأسطوانة التي إليها اليوم المحراب في رحبة المسجد، فيوافق ما أطبق عليه الناس و كأنها دثرت على طول الزمان، ثم أعيدت في غير محلها فإنه ذكر أنها بصحن المسجد مما يلي القبلة، و وصف أروقة المسجد بما هي عليه اليوم؛ فليست الدكة الموجودة اليوم لحدوثها بعده.
و أما الحظيرة التي بصحن المسجد فلم أر في كلام المتقدمين تعرضا لذكرها، و الشائع على ألسنة أهل المدينة أنها مبرك ناقة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و به جزم المجد تبعا لابن جبير في رحلته؛ فقال: و في وسط المسجد مبرك الناقة بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و عليه حظيرة قصيرة شبه روضة صغيرة يتبرك بالصلاة فيه، انتهى.
و هو محتمل؛ لأن أصل مسجد قباء كان مربدا لكلثوم بن الهدم، و عليه نزل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) على ما أسلفناه، فأعطاه النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فأسّسه مسجدّا. و قيل فيه غير هذا مما قدمناه.
و قال ابن زبالة: حدثنا عاصم بن سويد عن أبيه قال: و كان مسجد قباء على سبع أساطين، و كانت له درجة لها قبة يؤذن فيها يقال لها النعامة، حتى زاد فيه الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد ذلك.