وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٦ - تحديد المواضع التي صلى فيها العيد
علينا بوجهه و خطب و قال: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر- الحديث؛ فظاهره أن المراد بقيع الغرقد، لكني أستبعده؛ لأن المتقدمين من مؤرخي المدينة لم يذكروا ذلك مع اشتهار هذا الحديث، و كذلك المطري و من تبعه. و أغرب الحافظ ابن حجر فقال في الكلام على ترجمة البخاري للرجم بالمصلّى: المراد المكان الذي كان يصلى عنده العيد و الجنائز، و هو من ناحية بقيع الغرقد، اه.
و مأخذه في ذلك ظاهر هذا الحديث، مع ما ورد من رواية أخرى من الرجم عند موضع الجنائز، و قد تقدم أن موضع الجنائز في شرقي المسجد عند باب جبريل، و ليس هو من البقيع، و أما المصلي حيث أطلقت فإنما يراد بها الموضع المعروف الذي قدمناه في غربي المدينة، و بقيع الغرقد في شرقيها، و قد ذكره الحافظ ابن حجر في موضع آخر على الصواب كما سيأتي عنه في الطرف الثاني، و على تقدير أن يكون المراد من حديث البراء المتقدم بقيع الغرقد فهو من المواضع التي صلى فيها النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في بعض السنين، و ليس هو المراد إذا أطلق المصلى جزما.
و الذي يترجح عندي أن المراد بالبقيع في حديث البراء سوق المدينة؛ لما قدمناه فيه من أنه كان يسمى بقيع الجبل، و هو أحد الأماكن المتقدم ذكرها لصلاة العيد، و كذلك هو المراد من حديث ابن عمر «أني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم و آخذ مكانها الدنانير» كما قدمناه.
و قال الجمال المطري عقب نقله لما قدمناه عن ابن زبالة: و لا يعرف من المساجد التي ذكر لصلاة العيد إلا هذا المسجد الذي يصلي فيه اليوم، و مسجد شمالية وسط الحديقة المعروفة بالعريضي المتصلة بقبة عين الأزرق، و يعرف اليوم بمسجد أبي بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه)، و لعله صلى فيه في خلافته، و مسجد كبير شمالي الحديقة متصل بها يسمى مسجد علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه)، و لم يرد أنه (رضي الله عنه) صلى بالمدينة عيدا في خلافته؛ فتكون هذه المساجد الموجودة اليوم من الأماكن التي صلى فيها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) صلاة العيد سنة بعد سنة و عيدا بعد عيد؛ إذ لا يختص أبو بكر و علي رضى الله عنهما بمسجدين لأنفسهما و يتركان المسجد الذي صلى فيه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، انتهى.
قلت: ما ذكره من أنه لم يرد أن عليا (رضي الله تعالى عنه) صلى بالمدينة عيدا في خلافته، أي فلا تظهر نسبة المسجد المذكور إليه، و كأنه لم يقف على ما رواه ابن شبة عن سعد بن عبيد مولى ابن أزهر قال: صليت العيد مع علي (رضي الله عنه) و عثمان (رضي الله عنه) محصور؛ فصلى ثم خطب بعد الصلاة.
و روى أيضا عن الزهري قال: صلى سهل بن حنيف و عثمان محصور الجمعة، و صلى يوم العيد علي بن أبي طالب؛ فالظاهر أنه صلى حينئذ بذلك المكان لكونه أحد المصليات التي صلى فيها النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، لا أنه ابتكر الصلاة فيه، و الله أعلم.