نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨ - عاقبة المثقلين!
وأخيراً يختتم الإمام علي عليه السلام خطبته بقوله: «فانما ينتظر بأولكم آخركم». وتدل هذه العبارة بوضوح على أنّ عالم البشرية بحكم القافلة الواحدة التي تشتمل على المقدمة- التي سبقت بالحركة- والوسط والمؤخرة؛ وهى تواصل مسيرتها لتلتحق مؤخّرتها بمقدمتها، وبعبارة اخرى فإنّ قانون الموت لا يعرف الحصر والاستثناء وهو المحطة التي سيتوقف عندها الجميع. وبناءً على ما تقدّم فإنَّ عاقبة الأولين نذير مبين للآخرين.
عاقبة المثقلين!
إنَّ أهم عامل يقف وراء خسران طائفة من الناس والذي تضمنته كلمات الإمام عليه السلام في خطبته إنَّما يكمن في إثقال كاهلها بالتكالب على متاع الدنيا الزائد عن حاجتها في حياتها الدنيوية المتواضعة.
ولك أن تفرض أنَّ فرداً ينطلق للسفر ليوم واحد وقد حمل مقداراً من الخبز والماء والفاكهة لما يكفيه لذلك اليوم، بينما حمل الآخر عدة حقائب وقد ملأها بمختلف الأطعمة والأشربة والفاكهة وانطلق إلى سفره. فمن البداهة أن ينطلق الأول بكل هدوء وخفة وخطى واثقة وحثيثة دون أن يشعر بالكلل والتعب، في حين سينقطع نفس الثاني ولا يسعه مواصلة السير والحركة. وهذا هو المصير الذي ينتظر أولئك الأفراد الذين جعلوا همهم في الدنيا ومتاعها الزائل وجعلوا يفكّرون ليل نهار في كيفية حفظ هذه الأموال، حتى أنستهم ذكر اللَّه، ولم يكتفوا بذلك ففقدوا حتى السكينة والطمأنينة في حياتهم الدنيا.
هذا وقد تطرق بعض شرّاح نهج البلاغة إلى قصة الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضى الله عنه كشاهد حي ونموذج لقول الإمام علي عليه السلام «تخففوا تلحقوا» وذلك حين نصب والياً على منطقة المدائن فركب دابته وانطلق بمفرده إليها.
فاتصل بالمدائن خبر قدومه، فاستقبله أصناف الناس على طبقاتهم، فلما رأوه قالوا: أيها الشيخ أين خلّفت أميرنا؟ قال: ومن أميركم؟ قالوا: الأمير سلمان الفارسي صاحب رسول الله صلى الله عليه و آله.
قال: لا أعرف الأمير، وأنا سلمان.