نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧ - تخففوا تلحقوا!
الليل والنهار وكأنّها الأمر الصارم الذي كمن خلف الإنسان ويسوقه إلى حتفه. وليس هناك من فوارق تذكر بين هذين التفسيرين حيث مؤداهما واحد. وبالاستناد إلى أن كلمة «تحدوكم» المشتقة من مادة «حدو» بمعنى «السوق والدفع نحو الشيء».
فإنَّ الذي يتبادر إلى الذهن هو أن تقلب الليل والنهار والشهر والسنة رغم تقريبها الإنسان من وصول أجله وانقطاع حياته، غير أنّها تشكل عوامل غفلته بفعل اختلاطها بزخارف الدنيا وزبرجها. فالواقع هو أنّ هذه العبارة التي تصدرت الكلام رغم قصرها قد أشارت إلى القيامة الكبرى إلى جانب إشارتها إلى القيامة الصغرى؛ الأمر الذي يعدّ المستمع للاصغاء إلى المرحلة اللاحقة.
فأورد عليه السلام هذه الجملة المقتضبة العميقة المعنى: «تخففوا تلحقوا» عادة إذا ما انطلقت قافلة من الناس إلى مكان وواجهت هذه القافلة بعض المنعطفات التي لايمكن اجتيازها بسهولة فإنَّ أولئك الأفراد المثقلين بالأحمال غالباً ما يتخلفون عن القافلة التي لا يسعها الوقوف من أجل فرد أو بضعة أفراد فلا يكون أمامها سوى تجاوز ذلك الفرد ومواصلة السير والحركة. أمّا ذلك الفرد الذي تخلف عن القافلة فإنَّه سيكون لقمة سائغة لقطاع الطرق واللصوص وذئاب الصحراء، بينما يشقّ المخفون طريقهم بسرعة تجعلهم يصلون إلى هدفهم أسرع من الجميع.
وهذا هو حال بني آدم في هذه الدنيا، فهم مسافرون وقد شدّوا الرحال إلى الحياة الأبدية التي تعقّب الموت. فمن ثقل حمله من متاع الدنيا وحطامها كان لقمة سائغة للشيطان، أمّا أهل الورع والزهد والتقوى فإنَّهم سيحثون الخطى سريعاً لينالوا سعادة الآخرة والفوز بالخلود.
وقد أكّد الإمام عليه السلام هذا المعنى- في الخطبة ٢٠٤- حين نادى أصحابه: «تجهَّزوا- رحمكم اللَّه- فقد نودى فيكم بالرحيل وأقلّوا العُرجة على الدنيا ... فإنَّ أمامكم عقبة كؤودا ومنازل مخوفة مهولة».
وقد شبه بعض شرّاح النهج الإنسان بالمسافر الذي يجوب البحر وهو يواجه أمواجه العاتية حيث سيكون الغرق مصيره الحتمي إذا لم يخف مؤونة سفينته.
وقد شبهوا قلب الإنسان بهذه السفينة، التي ستواجه الغرق لا محالة إذا ما أثقل ذلك القلب بحبِّ الدنيا والانغماس في الشهوات. [١]
[١] معارج نهج البلاغه، بيهقى/ ١٠٩.