نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٣ - ٢- مقوّمات النصر وهزيمة الأمم
قال: ودعا عليّ عليهالسلام على بُسْر، فقال: اللّهم إنّ بُسرا باع دينهَ بالدنيا، وانتهك محارمك، وكانت طاعةُ مخلوقٍ فاجرٍ آثرَ عنده مِمّا عندك. اللّهمّ فلا تُمِتْه حتى تَسْلُبه عقلَه، ولا توجب له رحمتك ولا ساعة من نهار. اللهمّ ألعن بُسراً وعمراً ومعاوية، وليحلّ عليهم غضبُك، ولتنزل بهم نِقْمَتُك وليصبهم بأسُك ورِجْزُك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين.
فلم يلبث بُسْرٌ بعد ذلك إلّايسيراً حتى وسوس وذهب عقلُه، فكان يهذِي بالسيف، ويقول: اعطُوني سيفاً أقتلْ به، لا يزال يردد ذلك حتى اتَّخِذ له سيف من خشب، وكانوا يدنون منه المرفقة، فلا يزال يضربها حتى يُغشى عليه، فلبث كذلك إلى أن مات.
قال المسعودي في مروج الذهب بعد نقل هذه القصة أن بسراً كان يقول للناس: انظروا كيف يطعمني هذان الغلامان إبنا عبيدالله- الذان قتلا مظلومان بيدي- وكان ربما شدت يداه إلى الوراء منعا من لعبه بحزئه والناس تمنعه من ذلك. [١]
٢- مقوّمات النصر وهزيمة الأمم
لقد شرح الإمام عليه السلام في هذه الخطبة بعباراتها القصيرة ذات المعاني العميقة المقوّمات التي تمنى بها الامم والشعوب، ولا يقتصر هذا الأمر على أهل العراق والحجاز واليمن وقضية والي من الولاة كمعاوية وقائد عسكره بسر بن ارطاة، بل يشمل كافة العصور والدهور. فقد تحدّث الإمام عليه السلام في بادئ الأمر عن وحدة الكلمة التي تعدّ السبب الرئيسي في تضامن القوى وتعبئة طاقاتها في مواجهة الأعداء. وممّا لاشك فيه أنّ أهم العوامل التي أدّت إلى انتصار جنود الإسلام على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله على أعدائهم الذين كانوا يفوقونهم عدّة وعدداً إنّما يكمن في وحدة الكلمة. فكم من فئة قليلة هزمت عدوّها بفضل الاتحاد والإخاء. القرآن من جانبه اعتبر وحدة كلمة المسلمين من معاجز النبي الأكرم صلى الله عليه و آله «هُوَ الَّذى ايَّدَكَ بِنَصْرِه وَ بِالْمُؤْمِنينَ* وَأَ لَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الأَرضِ جَمِيعاً ما أَ لَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَ لَّفَ بَيْنَهُمْ» [٢]، كما اعتبر الوحدة الإسلامية التي سادت المسلمين أبان عصر الرسالة من النعم الإلهية الكبرى على الامّة الإسلامية
«وَاذكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذ كُنْتُمْ
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢/ ٣- ١٨؛ مروج الذهب ٣/ ١٦٣ (بحث ذكر أيام الوليد بن عبدالملك).
[٢] سورة الأنفال/ ٦٢- ٦٣.