نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٨ - نظرة إلى الخطبة
الأهواء وتحريف القوانين لصالح الأطماح الشخصية وغياب العدل وتضييع الوظائف والاقبال على البدع. فاصحاب الفتن يلجأون تارة إلى التحريف والتفسير الخاطئ لاشباع أهوائهم ورغباتهم، وإذا تطلب الأمر وضع بعض الاحكام الجديدة، أقبلوا على البدع، صحيح أنّ تلك البدع تفرزها الأهواء، إلّاأنّ الأهواء والرغبات الشيطانية قد تتبلور أحياناً كتفسير وإجراء للأحكام الشريعة واخرى كبدع واحكام موضوعة، ومن هنا فصلًا عن بعضها في كلام الإمام عليه السلام. على سبيل المثال يمكن الاشارة هنا إلى فتنة بنيأمية التي تعد من أكبر الفتن التي شهدها الإسلام فقد إستولى معاوية بواسطة المكر والخداع على الحكومة ثم ابتدع توريثها في ولده، وادعى أنّ زياد ابن أبي سفيان وأخذ البيعة ليزيد في حياته، وسن سب أميرَالمؤمنين علي عليه السلام من على المنابر ثم اتهمه بقتل عثمان وطالب بدمه. [١] ثم قال عليه السلام
«ويتولى [٢] عليها رجال رجالًا على غير دين اللَّه»
ثم أشار في العبارة اللاحقة إلى وسائل هذا العمل، التي استغلت من قبل الجناة والطواغيت طيلة التأريخ حتى أصبحت سنة، وهى أنّهم يمزجون الحق بالباطل من أجل تحقيق أطماعهم وأغراضهم
«فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق لم يحف على المرتادين [٣]، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل إنقطعت عنه السن المعاندين»
فما أروع هذه العبارة، لو خلص الباطل من مزاج الحق لما كان هناك من يتبعه، ولو خلص الحق من لبس الباطل لخرست ألسن المتخرصين، ولذلك فمن البديهي ألا يحل الحق الخالص مشاكل عبدة الأهواء، لأنّ منافعهم كامنة في الباطل، ولا الباطل الخالص يحقق لهم أغراضهم، لأنّ الناس لا يقفوف إلى جانبهم، وهنا يتجهون صوب خلط الحق بالباطل؛ الأمر الذي يجسد كافة السياسات المخربة في العالم. ثم قال الإمام عليه السلام بهذا الشأن
«ولكن يؤخذ من هذا ضغث [٤] و من هذا ضغث فيمز جان فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو «الَّذِينَ سَبَقَتْ
[١] راجع كتاب الغدير/ ١٠.
[٢] «يتولى» من مادة «تولى» بمعنى الاتباع. وتأتي أحيانا بمعنى الإقتراب والسيطرة على المقام والمنصب إلا أن المراد هنا المعنى الأول.
[٣] «مرتادين» من مادة «ارتياد»، الطالبين للحقيقة.
[٤] «ضغث» على وزن حرص قبضة من حشيش مختلط فيها الرطب باليابس، كما يطلق الضغث على الاحلامالمزعجة، وقد وردت في العبارة بمعنى بعض من الشيء.