نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٧ - نظرة إلى الخطبة
«إِنَّما بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْواءٌ تُتَّبَعُ وَأَحْكامٌ تُبْتَدَعُ، يُخالَفُ فِيها كِتابُ اللَّهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْها رِجالٌ رِجالًا عَلَى غَيْرِ دِينِ اللَّهِ، فَلَوْ أَنَّ الْباطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْباطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعانِدِينَ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذا ضِغْثٌ فَيُمْزَجانِ فَهُنالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطانُ عَلَى أَوْلِيائِهِ، وَيَنْجُو «الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنى».
الشرح والتفسير
هناك كلام بين المفسرين والشرّاح بشأن زمان الخطبة والظروف التي رافقتها، فيرى البعض أنّه خطبها بعد ستة أيّام من خلافته، بينما يرى البعض الآخر أنّه خطبها بعد التحكيم، وبالطبع فانّ الخطبة تنسجم والاحتمالين؛ أي أن تكون الخطبة في بداية الخلافة أو بعد التحكيم. فقد إستهل الإمام عليه السلام الخطبة بالإشارة إلى سبب ظهور الفتن في المجتمعات الإسلامية التي تشمل ما بعد وفاة رسولاللَّه صلى الله عليه و آله وبعض الحوادث كالجمل وصفين والنهروان فقال:
«إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع [١] يخالف فيها كتاب اللَّه».
نعم أساس الفتن أمرين: اتباع أهواء النفس والاحكام الموضوعة المخالفة لكتاب اللَّه والسنة، فمما لا شك فيه أنّ الفتن ستقبر لو كانت التعاليم الإسلامية والاحكام القرآنية هى السائدة وحفظت هذه القوانين والأحكام ومنعت البدع وابتعد عن الأهواء في إجراء الأحكام الشرعية؛ وذلك لأنّ هذه القوانين تهدف بسط العدل والقسط وتضمن حقوق الناس وتعين وظائفهم. فالفتنة تفرزها
[١] «تبتدع» من مادة «بدعة» بمعنى حديثة الظهور، وتستعمل بشأن الاحكام المخالفة لكتاب اللَّه والسنةالنبوية.