نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩١ - السياسة الإلهية والشيطانية
مصالحه أمّا اليوم فالحكومات وإن تغيّرت شكلًا، إلّاأنّ جوهرها وماهيتها لم تختلف كثيراً عن تلك التي كانت سائدة في الماضي، وان كان المعروف عن هذه الحكومات إقتحامها الميدان كفئات وأحزاب. على سبيل المثال فانّ الأحزاب هى التي تمسك بزمام الامور في البلدان الصناعية المعاصرة، بحيث يسعى كل حزب لضمان مصالحِ فئة معينة، ثم يعتمد كافة الوسائل من أجل الحصول على أكثر عدد من الآراء بغية الوصول إلى الحكومة، فاذا تسلموا الحكومة، أتوا بالأفراد الذين يعملون على ترسيخ دعائم حكومته وبالطبع فانّ مثل هذه الحكومات قد تتبنى بعض الشعارات من قبيل حقوق الإنسان وحرية المرأة وأحياناً يطرحون بعض المسائل الأخلاقية، إلّاأنّهم يعلمون كما يعلم الاخرون أنّهم ليسوا جادين في ما يقولون، فاصواتهم عادة ما تتعالى بحجة أن البلد الفلاني- إذا كان من أعدائهم- قد إنتهك حقوق الإنسان، وان كان من أصدقائهم فقد يحظى بتأييدهم ودعمهم وإن انتهك تلك الحقوق الف مرة كل يوم- وفى مقابل هذه الحكومات، هنالك حكومة الأنبياء والأولياء التي لا تعرف المصالح الفردية ولا الفئوية، وهى قائمة على أساس القيم والمثل. فالحكومات السابقة تصرح علنا بتعذر الجمع بين السياسة والأخلاق، وعليه فالحاكم الذي يراعي المبادئ الاخلاقية إنّما يفتقر في الواقع حسب ظنهم إلى العقل السياسي؛ وسوف لن يكتب لحكومته الدوام والاستمرار، فالغاية تبرر الوسيلة، وكل ما يقرب من الهدف فهو حسن ومطلوب. بينما ترى الحكومة الأخيرة ان شعارها يتكرس في
«إنّما بعثت لُاتمم مكارم الأخلاق» [١]
أو
«لو لا ... ما أخذ اللَّه على العلماء أن لايقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ...» [٢]
أو
«وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في امّة جدي صلى الله عليه و آله» [٣]
ومن الطبيعي أن يكون هناك بوناً شاسعاً بين سياسة الحكومات بالمعنى الأول والحكومات الإلهية، بل هناك تعارض وتضارب بينهما فالطائفة الاولى تضحي بكل القيم وتذبحها من أجل الوصول إلى دفة الحكم، بينما تخلت الطائفة الثانية بشهادة التأريخ عن الحكومة من أجل الحفاظ على القيم والمثل. وهذا ما وضحه الإمام عليه السلام في الخطبة
«واللَّه ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من
[١] كنز العمال ٣/ ١٦ ح ٥٢١٧.
[٢] نهجالبلاغة، الخطبة ٣.
[٣] بحارالانوار ٤٤/ ٣٢٩.