نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣ - الرجال الأشداء
بالولد- يريد به أنّكم لا تستحقون الحياة والبقاء وليس لكم سوى الموت، ثكلتكم أمهاتكم على هذه الأخطاء الشنيعة والانحراف الفكري الذي أوصلكم إلى هذه الحالة. وقد ورد شبيه هذه العبارة الذي يعطي ذات المعنى وهو قولهم «ثكلتهم الثواكل» والتي استعملها الإمام عليه السلام لهذا الغرض في سائر خطبه من نهج البلاغة.
على العموم فانّ الإمام عليه السلام قد أشار في هذه العبارات إلى سابقته العريقة وتأريخه المشرق ليشير كناية، إنّما يعرفني حتى مشركي العرب ولم يجرأ أحد على تهديدي بالحرب والمبارزة طيلة حياتي، وقد عشتم معي وزعمتم أنّكم من المسلمين. المسألة الاخرى التي أشار اليها الإمام عليه السلام هى أنّ من يخشى الحرب يخشى القتل والشهادة، ومن يخشى القتل والشهادة فليس له من إيمان ويقين باللَّه سبحانه وأن طريقه مليء بالشكوك والشبهات؛ لأنّ من آمن وأيقن بسلامة طريقه ووثق بما عند اللَّه فانّه يعلم أنّ قتال أعداء الحق وخصوم الدعوة لا يكتنفه أي فشل أو هزيمة ولن ينطوي سوى على احدى نتيجتين إمّا النصر وإمّا الشهادة؛ الأمر الذي صرحت به الآية الشريفة ٥٢ من سورة التوبة: «قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلّا إِحْدى الحُسْنَيَيْنِ» وأمّا قوله عليه السلام: «فاني لعلى يقين من ربي، وغير شبهة من ديني» فقد اعتبره بعض شرّاح نهج البلاغة أنه يعطي مفهوماً واحداً ويؤكد بعضه البعض، إلّاأنّ الصحيح هو أنّ العبارتين من قبيل بيان العام بعد الخاص، وهى تشتمل على مفهومين. فالعبارة الاولى تشير إلى مقام اليقين لدى الإمام عليه السلام والذي ورد التعبير به عن الإمام عليه السلام قائلًا: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً» [١].
والعبارة الثانية تشير إلى الوظائف الدينية التي كشفت له عن كافة معالم الطريق دون الشعور بأدنى شك أو ريب، ولا سيما أنّه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وقد قال له: «يا علي ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين» (أصحاب الجمل وصفين والنهروان).
الرجال الأشداء
هنالك عدد من الأفراد أو الفئات التي تطالعنا في سوح الوغى طيلة الصراع المرير بين
[١] شرح نهجالبلاغة لابن ميثم لمئة كلمة مختارة من الجاحظ، الكلمة الاولى.