نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩١ - القسم الأول دحر الباطل
أمّا بعض شرّاح نهج البلاغة فقد ذهب إلى أنّ الاستقامة هنا تشير إلى الرمح كناية عن أنتظام الامور ونظم الحكومة والدولة والمجتمع والقوة والمنعة، ولكن لما كان الرمح عادة مستقيم وإذا إعوج كسر ولا يمكن تسويته (لأنّه يصنع عادة من الخشب لا الفزات)، فانّ العبارة يمكن أن تكون إشارة إلى اطمينان البال واستقرار الذهن؛ لانّ الجنود يغرسون حرابهم في الأرض وتبقى مستوية مستقيمة حين الهدوء والاستقرار؛ الأمر الذي يفيد أنّهم كانوا آمنين من حملات العدو.
أمّا العبارة «إطمأنت صفاتهم» فهى تشير إلى إستحكام منزلتهم في ظل ظهور الإسلام ونهضة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بحيث إستقرت حياتهم الفردية والاجتماعية.
فالصحارى التي كانت تردد عليها العرب، كانت مليئة بالرمال والحصى المتحركة بحيث يصعب إجتيازها، بينما تسهل حركته وذهابه وايابه وجلوسه إذا إستقر على حجر كبير واسع ومحكم ومستقيم.
ثم قال عليه السلام:
«أمّا واللَّه إن كنت لفي ساقتها [١] حتى تولت بحذا فيرها [٢]».
ففي الاوضاع التي يكون فيها الجيش مستجد أو العدو قوي بحيث يحتمل التقهقر والانسحاب، فان آمر الجيش يجعل بعض مساعديه الشجعان في المؤخرة ليسوقوا الجيش إلى الإمام ويحثونهم على التقدم كما يحولوا دون تراجعهم.
وكأنّ الإمام عليه السلام أشار إلى هذه المسألة في أن النبي صلى الله عليه و آله قلدني مسئوؤلية في سوق الجيش إلى الإمام وتجاوز المخاطر والمشاكل التي تواجهه، أو المراد أنّى والنبي صلى الله عليه و آله في موخرة هذا الجيش ونسوقه إلى الإمام وقرينة ذلك قوله فساق الناس» على كل حال فانّ كل هذه إشارات إلى عصر نهضة النبي الإكرم صلى الله عليه و آله والدور الهام الذي لعبه الإمام علي عليه السلام في إنتصار الجيش الإسلامي على معسكر الكفر والشرك.
[١] «ساقه» من مادة «سوق» جمع سائق، واصلها سوقه واصحب ساق بيت الاعلال.
[٢] «حذا فير» جمع حذ فور بمعنى الشريف والجمع الكثير، وقد جاءت هنا بمعنى جميع جوانب الموضوع. وهنا ينبغي الالتفات إلى أن. ضمير الهاء في ساقتها يعود إلى الناس في عصر الجاهلية الذين إعتنقوا الإسلام، ويمكن أن يكون الضمير في تولت وحذا فيرها عائدا إلى أعداء الإسلام الذين تقهقروا ابان نصر الإسلام، كما يمكن أن يعود إلى أهل الجاهلية الذين أقبلوا على الإسلام.