نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٠ - القسم الأول عوامل ضعف أهل الكوفة
هنالك سؤال يطرح نفسه وهو: لم كل هذا الضعف الذي ساد أهل الكوفة مع وجود ذلك الإمام العادل والحكيم المعروف والمجرب في ساحات الوغى، في حين كان أهل الشام أكثر قوة وفاعلية منهم والحال كان حاكمهم معاوية؟ ويبدو أنّ الجواب على هذا السؤال كما أشرنا سابقاً يكمن في الآلية الاجتماعية التي كانت عليها الناس آنذاك. فالكوفة لم تكن تتمتع بسابقة تأريخية تذكر، بل كانت منطقة حديثة ضمت أقواماً مختلفة ذات ثقافات متنوعة، عاشت حالة من التنافس الظاهري والباطني، خلافاً لأهل الشام الذين كانوا يتمتعون بالوحدة واللحمة. أضف إلى ذلك فانّ أغلب خصوم الدعوة من منافقي المدينة وسائر المناطق كانوا قد اتجهوا صوب الكوفة وأخذوا يمارسون دعاياتهم المغرضة التي تهدف إلى شق الصفوف وزرع بذور الفرقة والاختلاف في صفوف أهل الكوفة، إلى جانب العمل على إضعافهم في مجابهة العدو. من جانب آخر فان الفتّوحات الإسلامية آنذاك قد جرت ثروات طائلة، ولا يخفى أن طبيعة الثروة إنّما تختزن الدعة والرفاه والعافية؛ الطبيعة التي لا تنسجم وروح القتال والجهاد.
ومن هنا كان أهل الكوفة يقتنصون الأعذار التي تمكنهم من أداء وظيفتهم الجهادية حتى في أحلك الظروف التي شنت عليهم الغارات وجرعوا فيها غصص الذل والهوان من قبل بني أمية وجيوش الشام. نعم إنّ الأمّة كانت تلهث وراء الحكام الذين عبثوا ببيت المال وأغدقوا مافيه على الرعية، ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام مستعداً للتفريط بصاع من بيت مال المسلمين لأقرب المقربين كائناً من كان. وهذه هى العلة الاخرى التي ساقها أمير المؤمنين في كشفه النقاب عن روحية الأمّة
«وإنّي لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم ولكني لا أرى صلاحكم بافساد نفسي» [١].
[١] نهج البلاغة، الخطبة ٦٩.