نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٠ - القسم الرابع إدماء القلب
الأولى بعدم امتلاكهم الشجاعة والحمية والغيرة والمروءة والرجولة التي كانوا يتمتعون بها ظاهرياً ولم يكن لهم من معانيها شيئاً على مستوى العمل. ثم اندفع في ذمهم أكثر ليخاطبهم بقوله:
«لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة- واللَّه- جرت ندماً وأعقبت سدماً»
. فالتأريخ يشهد بأنّ ثمرة علاقة أهل الكوفة والعراق بالإمام عليه السلام طيلة فترة خلافته لم تكن سوى الهم والغم الذي تمخض عن ضعفهم ونقضهم العهود وتفرقهم عن الحق وتلبسهم بالنفاق والرياء، فكان من الطبيعي أن يتمنى الإمام عليه السلام عدم رؤيتهم والتعرف عليهم، حتى دعا عليهم
«قاتلكم اللَّه [١] فقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً وقد جرعتموني الهموم غصة بعد غصة، فجعلتموني غرضاً لسهام الأعداء، حتى ذهبت بهم المذاهب أني رجل شجاع، بينما ليست لي من دراية بالحرب «قاتلكم اللَّه لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً وجرعتموني نغب [٢] التهمام [٣] أنفاساً، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب»
. عادة ما تعزى الامم والشعوب ضعفها وتخلفها وفشلها إلى قلّة تدبير زعمائها، بينما قد تكون القضية بالعكس؛ أي أنّ الزعيم شخصية كفوءة بينما تعيش الأمّة حالة من التخلف الفكري والثقافي والاجتماعي؛ الأمر الذي يعتبر مأساة حقيقية بالنسبة للزعيم والقائد الناجح الذي يبتلى بمثل هذه الجماعة المسلوبة الإرادة، وممّا يؤسف له أنّ مسؤولية النتائج المريرة التي تفرزها طبيعة هذه المسيرة قد يلقيها الناس على عاتق ذلك الزعيم.
ثم يختتم الإمام عليه السلام خطبته بالرد على قريش التيتخرصت بعدم علم الإمام عليه السلام بفنون القتال والحرب رغم شجاعته وبسالته:
«للَّه [٤] أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراساً [٥] وأقدم فيها مقاماً مني»
. فقد اقتحمت
[١] لابد من الالتفات هنا الى ان التعبير بقتالكم الى انهم كانوا فى مقام محاربة الله و احكامه، و انهم لا محالة ملعونين مطرودين من رحمة الله و من هنا فان اغلب المفسرين ذهبوا الى ان الايه ٣٠ من سوره التوبه (قاتلهم الله) تعنى الطرد من رحمه الله (انظر المفردات للراغب و نشر طوبى للمرحوم العلامه الشعرانى).
[٢] «نغب» جمع «نغب» على وزن لقمه بمعنى شربه الماء كجرعه و جرع و قد شبه هنا الحزن بالماء المر الذى شربه الامام جرعه جرعه.
[٣] «التهام» من مادة «همم» بمعنى الهم، و يستعمل هداالوزن عاده بمعنى المصدر مثل تكرار و تذكار.
[٤] «لله ابوهم» تقال هذه العباره للمدح، كما تطلق فى بعض الاحيان للتعجب، و مفهومها رحم الله والديهم.
[٥] «مراساً» و «ممارسة» بمعنى واحد، أي عالجه وزاوله وعاناه.