منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٣٩ - المعنى
قال نصر: و هذا أوّل كتاب كتبه عليّ ٧ إلى عمرو بن العاص فكتب إليه عمرو جوابه:
أمّا بعد، فانّ الّذي فيه صلاحنا، و ألفة ذات بيننا، أن تنيب إلى الحقّ، و أن تجيب إلى ما ندعوكم إليه من الشّورى، فصبر الرّجل منّا نفسه على الحقّ، و عذره النّاس بالمحاجزة، و السّلام.
قال نصر بن مزاحم: فكتب عليّ ٧ إلى عمرو بن العاص بعد ذلك كتابا غليظا و هو الّذي ضرب مثله فيه بالكلب يتبع الرّجل، و هو مذكور في نهج البلاغة.
أقول: ما ذكره عن نصر بن مزاحم صريح في أنّ هذا الكتاب موجّه إلى غير معاوية و تذكّر بالغ لعمرو بن عاص في الرجوع عن غيّه و هربه عن حبالة معاوية فانّه ٧ نبّه على أنّ مشغلة الإنسان على وجهين:
١- المشغلة الروحانية و الهدف الإنساني المجرّد عن الأميال المادّية و هي التقرّب إلى اللّه و تحصيل رضاه لأداء شكره و رسم العبوديّة تجاه عظمته ثمّ طلب رضوان اللّه و نيل المثوبات الاخرويّة و منها رعاية الوجهة الملكيّة و السّماويّة الرّاجعة إلى الرّوح الإنسانيّة الّتي هي من عالم القدس و التجرّد، و رعاية الأخلاق السامية البشريّة من طلب العلم و المعرفة و كشف الحقائق الكونيّة و رموز أنوار الوجود المطلق.
٢- المشغلة الدّنيويّة الشاملة لما فيها من الامور الماديّة المتنوّعة كالمال و الجمال و الجاه و الانانيّة و كلّما يرجع إلى الغرائز الحيوانيّة من الملادّ و الشّهوات و المكاره و الأسفات الّتي منشأها كلتا القوّتين الشهويّة و الغضبيّة، فبيّن ٧ أنّ ما رامه مخاطبه بهذا الكتاب سواء كان عمرو بن عاص كما نصّ عليه نصر بن مزاحم أو معاوية أو غيرهما ممّن يتبعهما محبّ للدّنيا و شئونها من الثّروة و القدرة و الجاه، و بيّن أنّ الدّنيا مشغلة موبقة و مهلكة للشاغل بها و للطالب لها لأنّ صاحب الدّنيا كشارب الماء المالح كلّما ازداد شربا ازداد عطشا، و كالمبتلى بمرض الاستسقاء لا يرتوى من شرب الماء.