منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٣٤ - المعنى
هو المعنى الأوّل بعينه، إلّا أنّ ها هنا زيادة، و هو أنّه لا يحصر أى لا يعيا في المنطق، لأنّ من الناس من إذا زلّ حصر عن أن يرجع و أصابه كالفهاهة و العيّ و أضاف ابن ميثم أنّه لا يأبى للرجوع إلى الحقّ حفظا لجاهه و خوفا من الشناءة كما يفعله قضاة السوء.
٥- أن لا يحدّث نفسه بالطمع في الاستفادة من المترافعين فيتوجّه إلى إلى الأوفر منهم ثروة أو جاها ليستفيد من ماله أو جاهه، ثمّ يجرّه ذلك إلى أخذ الرشوة و الميل عن الحقّ و الحكم بخلاف الحقّ.
٦- أن يكون دقيقا في كشف القضيّة المعروضة عليه محقّقا لفهم الحقيقة و لا يكتفي بالنظر السطحي في فهم صدق المتداعيين و كذبهم، بل يكتنه القضيّة عن طرق كشف الجرم و عن طرق كشف الحقيقة و هى كثيرة غير محصورة جدّا، و قد ظهر منه ٧ في قضاياه الكثيرة ما يقضي منه العجب.
فممّا ذكر من ذلك أنّه سافر عبد مع مولا له شابّ فادّعى العبد أثناء السفر أنّه هو المالك لسيّده و أنّه عبده و عامل معه معاملة المسترقّ فدخلا كوفة و ترافعا عند عليّ ٧ و لم يكن هناك بيّنة لأحدهما و لم يعترف العبد المتجاوز للحقيقة بوجه من الوجوه، فأحضرهما يوما و أمر بحفر ثقبتين في جدار متعاكسا و أمرهما باخراج رأسهما من تلك الثقبتين، ثمّ نادى بصوت عال يا قنبر اضرب عنق العبد، فلمّا سمع العبد ذلك هابه و أخرج رأسه من الثقبة فورا فصار ذلك اعترافا له بالحقيقة، و قد قرّر في محاكم هذه العصور طرائق هائلة في كشف الحقيقة و كشف الجرائم.
فهذه هى الصفات الّتي توجب فضيلة الفرد و تشكّل له شخصيّة رهيبة تؤهّله لتصدّي منصب القضاوة، و لم يكتف ٧ بهذه الصفات حتّى أكملها بستّة اخرى فقال:
١- أوقف الرعيّة عند عروض الشبهة، فلا يأخذ بأحد طرفي الشبهة حتّى يفحص و يبيّن له الحقّ بدليل علمي يوجب الاطمينان.