منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٦٢ - بحث حكمى عقلى فى ابطال رؤيته تعالى بالابصار فى الدنيا و الاخرة و يتبعه بحث روائى فى ذلك
فلو كانت الأشاعرة عنوا من قولهم هذا المعنى أعني ذلك الكشف التامّ الذي بيّنه ذلك البعض، فنعم الوفاق، و إلّا فلا يتصوّر منه إلّا الرؤية بالبصر و هو باطل عقلا و سمعا، و لكن قد عرفت أنّ هذا المعنى اللّطيف الصحيح ليس بمراد الأشعري و أتباعه كما صرّح به الرّجلان و الشهرستاني في الملل و غيرهم.
ثمّ إنّ حمل الحائطيّة و الحدثيّة خبر رؤية الباري تعالى مثل قوله ٦ «إنّكم سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» و أشباهه على رؤية العقل الأوّل كما نقل عنهما الشهرستانيّ في الملل على ما قدّمنا آنفا فليس بصحيح أيضا.
و ذلك لأنهما حملا كلمة الربّ في الحديث على العقل الأوّل من حيث إنه مربّ لما دونه من الموجودات و هذا لا بأس به كما برهن في محلّه أنّ لكلّ نوع من الامور الّتي تلينا فردا مجرّدا عقلانيّا على صورته يسمّى ربّ ذلك النوع و هو تعالى ربّ أرباب النوعيّات، و لكنّهما أخطئا في هذا الرأي أيضا من حيث إنهما اختاراه حذرا من الإشكال الوارد على ظاهر الحديث أعني ما يتبارد إليه الذّهن من أنّ كلمة الرّبّ هو اللَّه تعالى ربّ العالمين و قد كرّا إلى ما فرّا منه، لأنّ العقل الأوّل لا يمكن رؤيته بالأبصار، لأنّه من الموجودات النوريّة المحضة و المجرّدات الصرفة، و المفارقات مطلقا سواء كانوا عقولا أو نفوسا لا يمكن رؤيتهم بالأبصار، لأنّهم ليسوا بجسم و لا جسمانيّ، و ليس لهم جهة و كثافة و ثقل و غيرها من أوصاف الجسم.
على أنّ الأجسام المشفّة و كثيرا من الأعراض مع كونها في جهة لا ترى و حكم بما أشرنا إليه العقل و عاضده الشرع، فقد قام البرهان على أنّ الصادر الأوّل لا يكون إلّا عقلا، و العقل لا يكون إلا مجرّدا. و قد قال اللَّه تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها (التوبة- ٢٦) و قال تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها (التوبة- ٤٠) و قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ