منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥٨ - «ذكر شريح و نسبه و خبره»
لم اخاصمهم، فقصّ قصّته عليه، فقال: انطلق فخاصمهم، فانطلق إليهم فتخاصموا إليه فقضى عليه ابنه، فقال لمّا رجع إلى أهله: و اللَّه لو لم أتقدّم إليك لم ألمك فقال: و اللَّه يا بنيّ لأنت أحبّ إليّ من ملء الأرض مثلهم، و لكنّ اللَّه هو أعزّ عليّ منك خشيت أن اخبرك أنّ القضاء عليك فتصالحهم ببعض حقّهم.
و عن الشعبي أيضا قال: شهدت شريحا و جائته امرأة تخاصم رجلا فأرسلت عينيها فبكت، فقلت: يا أبا اميّة ما أظنّ هذه الباكية إلّا مظلومة، فقال: يا شعبي إنّ إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون.
قال: و يروى أنّ زياد بن أبيه كتب إلى معاوية: يا أمير المؤمنين قد ضبطت لك العراق بشمالي و فرغت يميني لطاعتك فولّني الحجاز، فبلغ ذلك عبد اللَّه بن عمر و كان مقيما بمكّة فقال: اللّهمّ اشغل عنّا يمين زياد، فأصابه الطّاعون في يمينه فجمع الأطبّاء و استشارهم فأشاروا عليه بقطعها، فاستدعى القاضي شريحا و عرض عليه ما أشار به الأطبّاء فقال له: لك رزق معلوم و أجل محتوم و إني أكره إن كانت لك مدّة أن تعيش فى الدّنيا بلا يمين، و إن كان قد دنا أجلك أن تلقى ربك مقطوع اليمين، فاذا سألك لم قطعتها؟ قلت: بغضا في لقائك و فرارا من قضائك فمات زياد من يومه، فلام الناس شريحا على منعه من القطع لبغضهم له فقال: إنه استشارني و المستشار مؤتمن، و لو لا الأمانة في المشورة لوددت أنه قطع يده يوما و رجله يوما. و سائر جسده يوما يوما.
و كان شريح رجلا داهيا، قال الدميري في حيوة الحيوان: قيل للشعبي:
يقال في المثل: إنّ شريحا أدهى من الثعلب و أحيل. فما هذا؟ فقال: خرج شريح أيّام الطاعون إلى النجف فكان إذا قام يصلّي يجيء ثعلب فيقف تجاهه و يحاكيه و يخيّل بين يديه و يشغله عن صلاته، فلمّا طال ذلك عليه نزع قميصه فجعله على قصبة و أخرج كمّيه و جعل قلنسوته عليها، فأقبل الثعلب فوقف بين يديه على عادته فأتاه شريح من خلفه و أخذه بغتة فلذلك يقال: شريح أدهى من الثعلب و أحيل.