منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٨٣ - الحديث الرابع
المستعدّ لمرتبة النبوّة و هو الّذي في قواه النّفسانيّة خصائل ثلاث: أن يعلم جميع المعلومات أو أكثرها من عند اللّه، و أن يطيعه مادة الكائنات باذن اللّه، و أن يسمع كلام اللّه و يرى ملائكة اللّه.
أمّا العلم بجميع المعلومات و الاطلاع على الأمور الغايبة من غير كسب و فكر فيحصل من صفاء جوهر النّفس و شدّة صقالتها و نورانيّتها الموصل لها إلى المبادي العالية و شدة الاتّصال بها.
و أمّا اطاعة مادّة الكائنات فبسبب شدّة انسلاخهم عن النواسيت الانسانيّة تدوم عليهم الاشراقات العلويّة بسبب الاستضاءة بضوء القدس و الإلف بسنا المجد فتطيعهم المادة العنصريّة القابلة للصور المفارقة فيتأثر المواد عن أنفسهم كما يتأثّر أبدانهم عنها، فلهذا يكون دعاؤهم مسموعا في العالم الأعلى و القضاء السابق و يتمكن في أنفسهم نور خلّاق به يقدرون على بعض الأشياء الّتي يعجز عنها غيرهم.
قال اللّه تعالى في عيسى بن مريم ٨ وَ رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (آل عمران. الاية ٤٤).
و أما الخصلة الثالثة فلأنّ الأنبياء لهم نفوس مقدّسة قلّت شواغلها عن الحواس الظاهرة فتخلّصت بذلك عن المادّة الجسمانيّة فلم يكن بينها و بين الأنوار حجب و لا شواغل لأنّها من لوازم المادّة فإذا تخلّصت النّفس عن تعلّقاتها كانت مشاهدة للأنوار و المفارقات البرئية عن الشوائب الماديّة و اللّواحق الغريبة و لذا يكونون مشاهدين للملائكة على صورهم بقوتهم القدسية، سامعين لكلامهم، قابلين لكلام اللّه تعالى بطريق الوحى و معلوم أنّ المادّة الّتي تقبل هذه الخصائل و الكمالات تقع في قليل من الأمزجة و لذا قال ٧: إنّ الأنبياء و صفوته من خلقه، فمزاجهم اعدل الأمزجة الانسانية و نفسهم الفائضة من الأوّل تعالى ألطف و أشدّ و أقوى و أوسع وجودا من غيرها، فهم غير مشاركين للنّاس على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب