منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٨٢ - الحديث الرابع
ليس في طبايع سائر أجناسه من الملائكة حتّى يصير ذلك معجزا ألا ترون أنّ الطيور الّتي تطير ليس ذلك منها بمعجز لأنّ لها أجناسا تقع منها مثل طيرانها و لو أنّ آدميّا طار كطيرانها كان ذلك معجزا فاللّه عزّ و جلّ سهّل عليكم الأمر و جعله بحيث يقوم عليكم حجّته و أنتم تقترحون عمل الصّعب الّذي لا حجّة فيه.
ثمّ قال رسول اللّه ٦: و أمّا قولك: «ما أنت إلّا رجل مسحور» فكيف أكون كذلك و قد تعلمون انّه في صحة التميز و العقل فوقكم فهل جرّبتم علىّ منذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة خزية أو ذلّة أو كذبة أو خيانة أو خطأ من القول أو سفها من الرأى أ تظنّون أن رجلا يعتصم طول هذه المدّة بحول نفسه و قوّتها أو بحول اللّه و قوّته- إلى آخر الحديث بطوله.
أما الأمر الثّاني اعني أنّ النّبيّ مع البشريّة يجب أن يكون متميزا عن سائر النّاس باوصاف قدسيّة، فاشار ٧ إليها بقوله: انّ الأنبياء صفوته من خلقه أوّلا، و انّهم حكماء مؤدّبين في الحكمة ثانيا، و مبعوثين بها ثالثا، و غير مشاركين للنّاس على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب في شيء من أحوالهم رابعا، مؤيدون عند الحكيم العليم بالحكمة خامسا. و هذه امور لابدّ للنّاظر من البحث عنها و النيل إلى حقيقة مغزاها.
و اعلم أنّ الأنبياء لكونهم سفراء له تعالى إلى خلقه و امناءه على وحيه و خلفاءه لابدّ من أن يكونوا متصفين بالأوصاف القدسيّة الالهيّة و متخلّقين بالأخلاق الرّبوبيّة فانّ الخليفة لابدّ و أن يكون موصوفا بصفات المستخلف حتّى يتحقق له اسم الخلافة و العناية الأزليّة تأبى بعث من لم يكن كذلك لبعده عن الاتصاف بصفات الحق و الاتصال بحضرة القدس. و قد قال الحكماء و منهم الشّيخ في الشّفاء انّ النّفس الناطقة كمالها الخاصّ بها أن يصير عالما عقليا مرتسما فيها صور الكلّ و النّظام المعقول في الكلّ و الخير الفائض في الكل و أفضل النّاس من استكملت نفسه عقلا بالفعل محصلا و للأخلاق الّتي تكون فضائل عمليّة و أفضل هؤلاء هو