إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ١١٩ - ٩ شرح إعراب سورة براءة
ثََانِيَ اِثْنَيْنِ نصب على الحال أي أخرجوه منفردا من جميع الناس إلا من أبي بكر رضي اللّه عنه أي أحد اثنين. قال علي بن سليمان: التقدير فخرج ثاني اثنين مثل وَ اَللََّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبََاتاً [نوح: ١٧]. إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا فأشاد جلّ و عزّ بذكر أبي بكر رضي اللّه عنه، و رفع قدره بخروجه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و بذله نفسه و لو أراد أن يهاجر آمنا لفعل، و قوله لاََ تَحْزَنْ فيه معنى أمنه كما قال لاََ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْأَعْلىََ [طه: ٦٨]و قال في قصة لوط ٧ لاََ تَخَفْ وَ لاََ تَحْزَنْ [العنكبوت: ٣٣]و في قصة إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلّم لاََ تَخَفْ [الذاريات: ٢٨]و قال إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا أي ينصرنا و يمنع منا فأوجب لأبي بكر رضي اللّه عنه بهذا التقى و الإحسان كما قال جلّ و عزّ إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨]. فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ القول عند أكثر أهل التفسير و أهل اللغة أن المعنى فأنزل اللّه سكينته على أبي بكر لأن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قد علم أنه معصوم و اللّه جلّ و عزّ أمره بالخروج و أنه ينجيه و الدليل على هذا أنه قال لأبي بكر لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا فسكن أبو بكر رضي اللّه عنه، قال اللّه جلّ و عزّ فأنزل اللّه سكينته عليه و معنى الفاء في العربية أن يكون الثاني يتبع الأول، فكما قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لا تحزن إنّ اللّه معنا سكن و اطمأن، و ليس هذا مثل فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلىََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ [الفتح: ٢٦]لأن هذا في يوم حنين لمّا اضطرب المسلمون خاف النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و قد علم أنه في نفسه معصوم، فلمّا أيّد اللّه المؤمنين و رجعوا سكن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم لذلك و زال خوفه الذي لحقه على المؤمنين، وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهََا الهاء تعود على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فالضميران مختلفان، و هذا كثير في القرآن و في كلام العرب قال اللّه جلّ و عزّ أَ رَأَيْتَ إِنْ كََانَ عَلَى اَلْهُدىََ`أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوىََ`أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلََّى [العلق: ١١، ١٢، ١٣]ثم قال أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللََّهَ يَرىََ [العلق: ١٤].
وَ جَعَلَ كَلِمَةَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلسُّفْلىََ أي وصفها بهذا، وَ كَلِمَةُ اَللََّهِ ابتداء.
هِيَ اَلْعُلْيََا ابتداء و خبر، و الابتداء و الخبر خبر الأول، و يجوز أن يكون «العليا» الخبر، و «و هي» فاصلة، و قرأ الحسن و يعقوب وَ كَلِمَةُ اَللََّهِ [١] بالنصب عطفا على الأول، و زعم الفراء أنّ هذا بعيد. قال: لأنك تقول: أعتق فلان غلام أبيه و لا تقول:
غلام أبي فلان، و قال أبو حاتم نحوا من هذا، قال: كأن يكون و كلمته هي العليا. قال أبو جعفر: الذي ذكره الفقراء لا يشبه الآية و لكن يشبهها ما أنشده سيبويه: [الخفيف] ١٨٦-
لا أرى الموت يسبق الموت شيء # نغّص الموت ذا الغنى و الفقيرا [٢]
و هذا جيد حسن لأنه لا إشكال فيه بل يقول النحويون الحذّاق: إنّ في إعادة
[١] انظر مختصر ابن خالويه ٥٢، و البحر المحيط ٥/٤٦.
[٢] مرّ الشاهد رقم (٧٠) .