البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٣ - سرية بئر معونة
فعرض عليه الإسلام و دعاه اليه فلم يسلم و لم يبعد و قال: يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك الى أهل نجد فدعوهم الى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال (صلّى اللَّه عليه و سلّم) انى أخشى عليهم أهل نجد. فقال أبو براء أنا لهم جار. فبعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين فيهم الحارث بن الصمة و حرام بن ملحان أخو بنى عدي بن النجار و عروة ابن أسماء بن الصلت السلمي و نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي و عامر بن فهيرة مولى أبى بكر في رجال من خيار المسلمين فساروا حتى نزلوا بئر معونة و هي بين أرض بنى عامر و حرّة بنى سليم فلما نزلوا بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى عامر بن الطفيل فلما أتاه لم ينظر في الكتاب حتى عدا على الرجل فقتله ثم استصرخ عليهم بنى عامر فأبوا أن يجيبوا الى ما دعاهم و قالوا: لن نخفر أبا براء و قد عقد لهم عقدا و جوارا فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم- عصيّة و رعلا و ذكوان و القارة- فأجابوه الى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا أسيافهم ثم قاتلوا القوم حتى قتلوا عن آخرهم الا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار فإنهم تركوه به رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق و كان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمريّ و رجل من الأنصار من بنى عمرو بن عوف [١] فلم ينبئهما بمصاب القوم الا الطير تحوم حول العسكر فقالا و اللَّه ان لهذه الطير لشأنا فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم و إذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري لعمرو بن أمية ما ذا ترى؟ فقال أرى ان نلحق برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فنخبره الخبر فقال الأنصاري لكنى لم أكن لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو و ما كنت لأخبر عنه الرجال. فقاتل القوم حتى قتل و أخذ عمرو أسيرا فلما أخبرهم انه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل و جز ناصيته و أعتقه عن رقبة كانت على أمه فيما زعم. قال و خرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا في ظل هو فيه و كان مع العامريين عهد من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و جوار لم يعلمه عمرو بن أمية و قد سألهما حين نزلا ممن أنتما قالا من بنى عامر فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما و قتلهما و هو يرى أنه قد أصاب بهما ثأرا من بنى عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما قدم عمرو بن أمية على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخبره بالخبر فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):
«لقد قتلت قتيلين لأدينّهما» ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «هذا عمل أبى براء، قد كنت لهذا كارها متخوّفا» فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه اخفار عامر إياه و ما أصاب أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بسببه و جواره،
فقال حسان بن ثابت في اخفار عامر أبا براء و يحرض بنى أبى براء على عامر:
بنى أمّ البنين أ لم يرعكم* * * و أنتم من ذوائب أهل نجد
[١] قال ابن هشام: و هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح