البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٠ - غزوة الفتح الأعظم و كانت في رمضان سنة ثمان
و نحن صبحنا بالتلاعة [١] داركم* * * بأسيافنا يسبقن لوم العواذل
و نحن منعنا بين بيض و عتود* * * الى خيف رضوى من مجر القبائل
و يوم الغميم قد تكفت ساعيا* * * عبيس فجعناه بجلد حلاحل
أ إن أجمرت في بيتها أم بعضكم* * * بجعموسها تنزون إن لم نقاتل
كذبتم و بيت اللَّه ما إن قتلتموا* * * و لكن تركنا أمركم في بلابل
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد اللَّه بن أبى سلمة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم يشد في العقد و يزيد في المدة»
قال ابن إسحاق: ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبروه بما أصيب منهم و مظاهرة قريش بنى بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين حتى لقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يشد العقد و يزيد في المدة و قد رهبوا للذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال من أين أقبلت يا بديل؟ و ظن أنه قد أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: سرت في خزاعة في هذا الساحل في بطن هذا الوادي. قال فعمد أبو سفيان الى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال: أحلف باللَّه لقد جاء بديل محمدا، ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) طوته، فقال يا بنية ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أو رغبت به عنى؟ فقالت هو فراش رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أنت مشرك نجس فلم أحب أن تجلس على فراشه، فقال يا بنية و اللَّه لقد أصابك بعدي شر، ثم ذهب إلى أبى بكر فكلمه أن يكلم له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال عمر أنا أشفع لكم إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فو اللَّه لو لم أجد لكم الا الذر لجاهدتكم به، ثم خرج فدخل على عليّ بن أبى طالب و عنده فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عندها حسن غلام يدب بين يديهما، فقال يا على إنك أمس القوم بى رحما و أقربهم منى قرابة، و قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا فاشفع لي الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فقال ويحك أبا سفيان و اللَّه لقد عزم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال يا بنت محمد هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت: و اللَّه ما بلغ بنبيّ ذلك أن يجير بين الناس و ما يجير أحد على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت على فانصحني؟ قال و اللَّه ما أعلم شيئا يغنى عنك، و لكنك سيد بنى كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك، فقال أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا؟ قال لا و اللَّه ما أظن و لكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب
[١] في الأصول: بالبلاغة دارهم. و التصحيح عن ابن هشام و معجم ياقوت.