البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٧ - غزوة الحديبيّة
أ نحن ننكشف عنه؟ قال من هذا يا محمد؟ قال هذا ابن أبى قحافة. قال اما و اللَّه لو لا يد كانت لك عندي لكافأتك بها و لكن هذه بهذه قال: ثم جعل يتناول لحية رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يكلمه و المغيرة ابن شعبة واقف على رأس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الحديد، قال: فجعل يقرع يده إذ يتناول لحية رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و يقول اكفف يدك عن وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل أن لا تصل إليك قال فيقول عروة ويحك ما أفظك و أغلظك. قال: فتبسم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له عروة من هذا يا محمد؟ قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال أي غدر و هل غسلت سوأتك إلا بالأمس. قال الزهري فكلمه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اللَّه بنحو مما كلم به أصحابه و أخبره أنه لم يأت يريد حربا فقام من عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا و ضوءه و لا يبصق بصاقا إلا ابتدروه و لا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه فرجع الى قريش فقال: يا معشر قريش انى قد جئت كسرى في ملكه و قيصر في ملكه و النجاشي في ملكه و انى و اللَّه ما رأيت ملكا في قومه قط مثل محمد في أصحابه و لقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم.
قال ابن إسحاق و حدثني بعض أهل العلم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه الى قريش بمكة و حمله على بعير له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به جمل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أرادوا قتله فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
قال ابن إسحاق و حدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين أمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا فأتى بهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فعفا عنهم و خلى سبيلهم و قد كانوا رموا في عسكر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالحجارة و النبل ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه الى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال يا رسول اللَّه انى أخاف قريشا على نفسي و ليس بمكة من بنى عدي أحد يمنعني و قد عرفت قريش عداوتي إياها و غلظتي عليها و لكنى أدلك على رجل أعز بها منى عثمان ابن عفان فدعا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عثمان بن عفان فبعثه الى أبى سفيان و أشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب و إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته فخرج عثمان الى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان و عظماء قريش فبلغهم عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما أرسله به فقالوا لعثمان حين بلغ رسالة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. قال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و احتبسته قريش عندها فبلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و المسلمين أن عثمان قد قتل.
قال ابن إسحاق فحدثني عبد اللَّه بن أبى بكر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال حين بلغه أن عثمان قد قتل:
لا نبرح حتى نناجز القوم. و دعا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى البيعة و كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة