البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٩ - غزوة الحديبيّة
و تواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش و عهدهم، و انك ترجع عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، و انه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها. قال: فبينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يكتب الكتاب هو و سهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يوسف في الحديد قد انفلت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قد كان أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد خرجوا و هم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رآها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فلما رأوا ما رأوا من الصلح و الرجوع و ما تحمل عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، فلما رأى سهيل أبا جندل قام اليه فضرب وجهه و أخذ بتلبيبه و قال: يا محمد قد لجت القضية بيني و بينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت فجعل ينتره بتلبيبه و يجرّه يعنى يردّه الى قريش، و جعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أردّ الى المشركين يفتنوننى في ديني! فزاد ذلك الناس الى ما بهم. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يا أبا جندل اصبروا احتسب، فان اللَّه جاعل لك و لمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا. انّا قد عقدنا بيننا و بين القوم صلحا و أعطيناهم على ذلك و أعطونا عهد اللَّه، و انّا لا نغدر بهم» قال: فوثب عمر ابن الخطاب مع أبى جندل يمشى الى جنبه و يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون و انما دم أحدهم دم كلب. قال: و يدنى قائم السيف منه. قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه. قال: فضنّ الرجل بأبيه و نفذت القضية. فلما فرغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين و رجالا من المشركين أبو بكر الصديق و عمر بن الخطاب و عبد الرحمن بن عوف و عبد اللَّه بن سهيل بن عمرو و سعد بن أبى وقاص و محمود بن مسلمة و مكرز بن حفص و هو يومئذ مشرك و على بن أبى طالب، و كتب و كان هو كاتب الصحيفة و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مضطربا في الحل [١] و كان يصلى في الحرم، فلما فرغ من الصلح قام الى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، و كان الّذي حلقه في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي، فلما رأى الناس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد نحر و حلق تواثبوا ينحرون و يحلقون.
قال ابن إسحاق: و حدّثنى عبد اللَّه بن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبيّة و قصّر آخرون، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يرحم اللَّه المحلقين» قالوا: و المقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: «يرحم اللَّه المحلّقين» قالوا: و المقصّرين يا رسول اللَّه؟ قال: يرحم اللَّه المحلقين» قالوا و المقصرين يا رسول اللَّه! قال «و المقصرين» قالوا: يا رسول اللَّه فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟ قال: لم يشكوا.
و قال عبد اللَّه بن أبى نحيح: حدّثنى مجاهد عن ابن عباس أن رسول
[١] اى ضاربا خيامه خارج منطقة الحرم