البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠ - غزوة أحد في شوال سنة ثلاث
الْمُؤْمِنُونَ* وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ* بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ الآيات و ما بعدها الى قوله ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ و قد تكلمنا على تفاصيل ذلك كله في كتاب التفسير بما فيه كفاية و للَّه الحمد و المنة. و لنذكر هاهنا ملخص الوقعة مما ساقه محمد بن إسحاق و غيره من علماء هذا الشأن (رحمهم اللَّه) و كان من حديث أحد كما حدثني محمد ابن مسلم الزهري و محمد بن يحيى بن حبان و عاصم بن عمر بن قتادة و الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو ابن سعد بن معاذ و غيرهم من علماءنا كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد و قد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت. قالوا أو من قال منهم: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب و رجع فلهم الى مكة و رجع أبو سفيان بعيره مشى عبد اللَّه بن أبى ربيعة و عكرمة بن أبى جهل و صفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم و أبناؤهم و إخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان و من كانت له في تلك العير من قريش تجارة. فقالوا: يا معشر قريش، ان محمدا قد وتركم و قتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا، ففعلوا. قال ابن إسحاق: ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل اللَّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ قالوا: فاجتمعت قريش لحرب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين فعل ذلك أبو سفيان و أصحاب العير بأحابيشها و من أطاعها من قبائل كنانة و أهل تهامة و كان أبو عزة عمرو بن عبد اللَّه الجمحيّ قد منّ عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم بدر، و كان فقيرا ذا عيال و حاجة و كان في الأسارى، فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة، انك امرؤ شاعر فأعنّا بلسانك و اخرج معنا فقال: ان محمدا قد منّ عليّ فلا أريد أن أظاهر عليه. قال: بلى، فأعنا بنفسك فلك اللَّه ان رجعت أن أغنيك و ان قتلت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر و يسر. فخرج أبو عزة يسير في تهامة و يدعو بنى كنانة و يقول:
أيا بنى عبد مناة الرزام* * * أنتم حماة و أبوكم حام
لا يعدوني نصركم بعد العام* * * لا تسلموني لا يحل إسلام
قال: و خرج نافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح الى بنى مالك بن كنانة يحرضهم و يقول:
يا مال مال الحسب المقدم* * * أنشد ذا القربى و ذا التذمم
من كان ذا رحم و من لم يرحم* * * الحلف وسط البلد المحرم
عند حطيم الكعبة المعظم