فقه الحج - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ١١٠ - مسألة 19 المراد بالراحلة
الكبر و حب الجاه و الترفع على عباد اللّٰه، كما قد يقع في الحرج لو جلس في مجلسٍ دون ما يريده، و يرى الركوب على الحمار دون شأنه لثروته و جاهه و منصبه، و هو مستصغر لغيره من المؤمنين الذين ليس لهم ذلك، فالحرج الحاصل من هذه الحالة الغير متواضعة ليس رافعاً للحكم، كالحرج الحاصل لهؤلاء من الجلوس مع الفقراء و الضعفاء و العمال و غيرهم، فلا بد له من الجهاد مع النفس لترك هذه الحالة السيئة، و تأديب نفسه بالتأسي بالرسول الأعظم ٦ الذي كان يجلس جلسة العبد، و يأكل أكلة العبد، و لم يقبل ما عرضه عليه بعض الأغنياء و أهل الجاه و الاستعلاء أن يختصهم بمجالس لا يدخل فيها الضعفاء و الفقراء و أهل الصفة.
و تارةً يقع الإنسان في الحرج لوقوعه معرض استصغار الغير و استحقاره عزته الإيمانية و كرامته الإنسانية، و لا شك أنه لا ينبغي للمؤمن قبول الاستذلال، فالعزة للّٰه و لرسوله و للمؤمنين، و لذا لا يقبل الهدية من غيره إذا كان فيه مظنة الاستحقار، و لا يسأل عن غيره لئلا يتحمل ذلة السؤال، و كذلك لا يجب عليه القبول إذا بذل له الحمار الأبتر استحقاراً به إذا كان قبول هذا الاستحقار حرجاً عليه، كما إذا فضل عليه غيره لأن له كذا و كذا من المال، مع أنه مفضل عليه بالعلم و السوابق الإسلامية و كما إذا صار ذلك سبباً لنظر الناس إليه بعين الحقارة فالحرج من هذه الجهات يكون رافعاً للتكليف.
و الحاصل: إذا كان الحرج حاصلًا من وقوعه في معرض توهين عزته الإيمانية و كرامته الإنسانية أو سبباً لاستحقار الناس شخصيته التي لا تقصر عن شخصية غيره من الناس الذين جعل اللّٰه أكرمهم عنده أتقاهم أو سبباً لاستحقار منصبه إذا كان من المناصب الإسلامية التي يجب حفظ عزتها و اعتبارها يكون رافعاً لوجوب الحج فهذا هو الملاك في الحرج الرافع للتكليف هنا. و اللّٰه تعالى هو العالم.