فقه الحج - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ١٠٩ - مسألة 19 المراد بالراحلة
يكون مؤكداً لوجوبه، إذاً فأين الاستطاعة الشرعية؟ و أين ما هو المغروس في جميع أذهان المتشرعة من أن الحج مشروط بالاستطاعة؟ و ما معنى عقد الباب في مثل الوسائل بعنوان باب وجوب الحج على كل مكلف مستطيع، و باب وجوب الحج مع الاستطاعة؟ إذاً فظاهر الحديث لا يوافق تلك الأخبار الكثيرة و الاتفاق على اشتراط وجوب الحج بالاستطاعة.
و ثانياً: أنه لا شك في أن الركوب على حمار أجدع حرجي على ذوي الشرف و المنزلة الاجتماعية، فإطلاق دليله يقيد بأدلة نفي الحرج الحاكمة عليه.
إن قلت: لا منصب و لا شرف أعلى من شرف النبوة و الإمامة، و كان النبي و الأئمة- (عليهم صلوات اللّٰه)- ركبوا الحمير و الزوامل و حجوا عليها، و أي منقصة في الركوب على الحمار و الزاملة بعد ذلك؟ و الحرج الذي يحصل للشخص من ذلك ناشئ من نقص الأخلاق و حب العلو، قال اللّٰه تعالى: «تِلْكَ الدّٰارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لٰا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ» [١] و النبي و الأئمة : كان من دعوتهم و تربيتهم للناس إبطال هذه العادات و وضع أغلالها التي كانت على الناس، فمثل هذا الحرج المذموم كالحرج الناشئ من الحسد لا يكون نافياً للحكم، و لا مراداً من مثل قوله تعالى: «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» [٢]، و «يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» [٣] و لذلك كان رسول اللّٰه ٦ ربما يركب الحمار العاري، و هو ٦ الذي قال اللّٰه تعالى في خلقه مخاطباً إياه: «وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ» [٤].
قلت: ربما يقع الإنسان في الضيق و الحرج لنقص التربية و سوء الأخلاق من
[١]- القصص/ ٨٣.
[٢]- الحج/ ٧٨.
[٣]- البقرة/ ١٨٥.
[٤]- القلم/ ٤.