الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٦٢ - الشرح
بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ[١]، و هي دعوة حارة سخنت من نار الغضب صادرة من أعمال النفس، فكانت في السماء متصعدة، شأن الهواء إذا سخن بعيدة المدى، شأن القنبلة إذا أطلقت من مدفع بعيد الغور، فما تزال تشق أجواء الفضاء لا يحجبها حاجب و لا يردها صادر حتى تصل إلى السماء، فتخترق طبقاتها، و تنفذ من بنائها، فيتقبلها ربها بردا و سلاما لمن دعا، و نارا و جحيما لمن ظلمه، و كأن الرسول صلى اللّه عليه و سلم استنبط هذا المعنى من قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً[٢]، فالدعوة مشروعة بقوله: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ، و مقبولة مسموعة بتعقيب الاستثناء بقوله: وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً، و قد جاء في حديث رواه أحمد بسند حسن: قبول دعوة المظلوم و إن كان فاجرا، و أن فجوره على نفسه لا يقف دون دعوته. و جاء في الحديث أن إجابة الدعاء على ثلاث مراتب إما أن يجاب الداعي إلى ما طلب، و إما أن يدخر له أفضل منه، و إما أن يدفع عنه من السوء مثله، فلا تعجب إذا لم تجب إلى عين ما طلبت و قد ظلمت، فإن اللّه عليم حكيم قد تقتضي حكمته عدم الإجابة إلى ما سألت وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[٣].
و قد حذّر الرسول صلى اللّه عليه و سلم و اليه و عامله، و بعيثه و قاضيه من دعوة المظلوم، و أمره أن يتخذ من دونها وقاية، و ما اتقاؤها إلا بتجنب أسبابها، فلا يظلم أحدا ممن تحت ولايته في نفسه إيذاء، أو في ماله بانتقاص كأن يأخذ في الزكاة كرائم أمواله، و نجائب[٤] حيوانه، دون الوسط من ذلك، فيوغر صدره و يسن لسانه؛ و يبعث بدعوة المظلوم من قلبه، و لا يحابي في عمله الأغنياء، و يعرض عن الفقراء، و لا يعفو عن ظالم لمكانة أو وجاهة، و لا يقبل رشوة أو شفاعة أو باطل، و إن كان قاضيا تجنب المحاباة و وزع المساواة، و أخذ للضعيف من القوي و تحرى الحق في قضائه، و العدل في أحكامه. إلى غير ذلك من آداب الولاة و القضاة، فليكن قاضي الجنة، و الإمام العادل الذي يظله اللّه في يوم لا ظل إلا ظله.
[١] - سورة الشورى، الآية: ٤١.
[٢] - سورة النساء، الآية: ١٤٨.
[٣] - سورة آل عمران، الآية: ٦٦.
[٤] - أي أفضلها.