الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٤٣ - الشرح
قادرا على أمور الزواج من النفقة و ما يتبعها، و كان به توقان[١] إلى النساء حتى لا تزل به القدم في مهواة المعاصي و حمأة الشرور فإن للشباب فتوة[٢] و نزوة تدفع الشاب إلى إطاعة شهوته و تقهره على إرضائها بدون أن يبالي سوء مغبة أو حسنها، و كم جر ذلك من ويلات و أعقب من أدواء استفحل فيما بعد شرها، و عم ضررها و أصبحت ملافاتها عسيرة و تدارك أخطارها في غير الوسع و الطاقة، و كم من شاب أغرته شهوته و استبعدته لذته فاتى نفسه من المعاصي حظها و أروى من الموبقات[٣] غلتها فكان عاقبة ذلك أن افتقر بعد يسر و مال عريض، و ضعف بعد قوة و صحة شاملة، و انتابته الأمراض و العلل فصار حليف الهم و السهاد، ينام على مثل شوك القتاد[٤]، قد أقض مضجعه، و ذبلت نضرته و تنكرت له الحياة بعد إقبالها، و كشرت له الأيام بعد ابتسامها، و كلبه الزمان[٥] و قد كان له مواتيا[٦] مطيعا، و نفر منه الأصدقاء، و كان قرة أعينهم و موضع الغبطة و السرور منهم.
و لقد بين الرسول صلى اللّه عليه و سلم حكمة المبادرة إلى الزواج بعد القدرة و الاستطاعة بأنها تحصن الفرج عن الوقوع في المحرمات و ملابسة ما يغضب اللّه و يزري بالشرف[٧] و الكرامة، و تدعو إلى العفة و غض البصر عما لا يجعل من محارم اللّه، أضف إلى ذلك أن المبادرة إلى الزواج تمكن المرء إذا رزق أولادا من تربيتهم و القيام بشؤونهم و إعدادهم لمستقبل حياتهم و جعلهم رجالا صالحين ينفعون أنفسهم و أمتهم، و يجعل منهم عمادا لها و قوة، يرهب بهم جانبها، و تقوى شوكتها و تحفظ هيبتها و كرامتها، و يدفع من يريد إذلالها و استعبادها. و أما إذا أبطأ في الزواج حتى تقدّم به العمر فقد لا يستطيع تربية أولاده لضعف قوته و عجزه عن تحصيل ما به حياتهم و توفير أسباب السعادة لهم، و ربما أدركه الأجل فيتركهم كزغب القطا[٨] مهيضي
[١] - توقان: اشتياق.
[٢] - فتوة: الفتوّة: الشباب بين طوري المراهقة و الرجولة.
[٣] - الموبقات: المهلكات.
[٤] - القتاد: نبات صلب له شوك كالإبر.
[٥] - كلبه الزمان: وثب عليه.
[٦] - مواتيا: مطاوعا.
[٧] - يزري: يعايب و يعتب.
[٨] - كزغب القطا: أي يتركهم صغارا ضعافا.